على رغم سلسلة المؤشرات السلبية التي تواجه السودان، فإن ما يعانيه ليس ناتجًا عن مشكلة اقتصادية، بل عن أزمة سياسية مستمرة لم تنتهِ بتقسيمه مع انفصال الجنوب. ولكن يبدو أنها تنتظر تحقيق مصالحة قومية تشمل الشعب السوداني بفئاته وأعراقه وأقاليمه المختلفة، وقيام حكومة تكنوقراط غير مسيسة تعمل على توفير السلام في مناطق الحروب، ولا شك في أن تحقيق كل ذلك يحتاج إلى تنازلات كبيرة.

جذور الأزمة الاقتصادية السودانية:

منذ أيلول (سبتمبر) 1983 السودان يعيش في عزلة سياسية واقتصادية، بدأتها الولايات المتحدة بعد إعلان الرئيس السوداني السابق جعفر محمد نميري ما أطلق عليه النظام آنذاك «قوانين الشريعة الإسلامية». وفي 30 حزيران (يونيو) 1989، زادت وتيرة الحصار بعد قيام ثورة الإنقاذ، ثم زادت مرة أخرى عام 1990، نتيجة موقف الخرطوم من غزو العراق للكويت، ودفع السودانيون ثمنًا كبيرًا لهذا الحصار، خصوصًا بعد انضمام دول الخليج وبعض الدول الغربية إليه، وتراجعت نتيجة ذلك تحويلات السودانيين العاملين في الخارج، والتي كانت مقدرة بنحو ثلاثة بلايين دولار سنويًّا.

عام 1997، اشتد الحصار الاقتصادي الأمريكي على السودان، وفي أيلول 2001، وضعت الولايات المتحدة حكومة الخرطوم على قائمة الدول التي يجب محاصرتها اقتصاديًّا.

وإذا كان النفط هو السبب الرئيس للحصار الاقتصادي، فقد خسر السودان نتيجة تأخر استغلاله لأكثر من 15 سنة، نحو 100 بليون دولار، حتى توج هذا الحصار بانفصال الجنوب في تموز (يوليو) 2011، وانفصلت معه عائدات نفطية تزيد على سبعة بلايين دولار سنويًّا. وبدلًا من أن يرفع الحصار الاقتصادي بعد الانفصال، شهد البلد تأجيجًا للصراع في جنوب كردفان والنيل الأزرق فضلًا عن منطقة دارفور.

ولعل القطاع المصرفي السوداني كان الأكثر تضررًا، إذ قدرت خسارته خلال 16 سنة، (1997-2014) بنحو تسعة بلايين دولار. وبدلًا من أن يتعامل هذا القطاع عبر النظام المالي الدولي، اضطر للتعامل مع سماسرة العملة في السوق السوداء، ما أدى إلى زيادة الكلفة، وترتيب أعباء باهظة على الدولة، وكذلك على مؤسسات القطاع الخاص التي تعرض بعضها للإفلاس والبعض الآخر للدمج، وخسرت المصارف جزءًا كبيرًا من رأس مالها وأرباحها وزبائنها داخل السودان وخارجه، حتى أن المصارف العالمية أوقفت تعاملها مع المصارف السودانية؛ خوفًا من العقوبات الأمريكية. وأدى ذلك إلى انخفاض احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية، وانتعاش السوق السوداء، وتدهور سعر صرف الجنيه السوداني.

وبسبب سيطرة أمريكا على المؤسسات المالية الدولية، حرم السودان من القروض والمنح والهبات، مع العلم أن الديون المترتبة عليه بلغت نحو 43 بليون دولار، ولكن ما يلفت هو أن أصل الدَين يبلغ فقط نحو 15 بليونًا، بينما تشكل بقية المبلغ الفوائد المترتبة عليه.

وكنتيجة طبيعية للعجز المستمر في موازنة الدولة بسبب زيادة النفقات على الإيرادات، حملت موازنة عام 2015 عجزًا يبلغ 12 بليون جنيه، (بين نفقات 58.2 بليون وإيرادات 46.2 بليون جنيه)، كان هذا نتيجة لاعتماد سياسة التقشف، وإلغاء الدعم على ثلاث مراحل، حيث كانت الأولى في حزيران (يونيو) 2012، والثانية في أيلول 2013، والثالثة بنهاية سنة 2015.

وتبلغ قيمة الدعم نحو 13 بليون جنيه موزعة بين 5 بلايين لدعم المحروقات، و1.5 بليون لدعم القمح، ونحو 6.5 بليون جنيه لدعم السلع الإستراتيجية، ويشكل أكثر من 22 في المئة من نفقات الموازنة.

وإذا كان رقم التضخم (على رغم ارتفاعه) قريبًا من الرقم المستهدف في موازنة عام 2015، الذي بلغ 46.8 في المئة، ما يعكس زيادة شهرية نسبتها 10 في المئة على أسعار السلع الاستهلاكية. ويعود السبب في ذلك إلى إجراءات التقشف وخطط الحكم لخفض دعم الوقود والخبز والسلع الإستراتيجية، مع التأكيد على أن الأسعار بدأت ترتفع منذ انفصال الجنوب في تموز 2011، ما حرم الخرطوم 46 في المئة من إيرادات الخزينة العامة، و80 في المئة من عائدات النقد الأجنبي الذي يحتاج إليه السودان لدعم الجنيه، ودفع فاتورة الاستيراد المتزايدة.

وهكذا يبدو واضحًا أن مشاكل السودان الاقتصادية، بدءًا من العقوبات الأمريكية وتراكم الديون الخارجية وتدهور قيمة الجنيه وإفلاس المؤسسات وهروب الاستثمارات، وحتى انفصال الجنوب واستمرار الصراع في بعض المناطق وتراجع النمو، تعتبر في جوهرها مشاكل سياسية، والبرامج الاقتصادية لا تحلها، ولا بد من تغييرات سياسية في بنية الحكم تؤدي إلى وقف الحرب والنزاعات المسلحة، وتسمح بالتداول السلمي الحقيقي للسلطة، وتحقيق علاقات خارجية تعيد السودان إلى التفاعل مع التطور الاقتصادي الإقليمي والدولي، والاستفادة من الاستثمارات العربية والأجنبية.

الخلل الإداري وأثره على الاقتصاد:

إن المشكلات الاقتصادية هي تداعيات طبيعية لانحطاط مستوى الإدارة السياسية في البلاد. ويمكن توضيح العديد من مظاهر الخلل الإداري التي تسببت في الأزمات المتكررة التي تحصل في البلاد؛ من أهمها:

أولًا: الخلل في العقلية الإدارية

يمثل الفكر الاقتصادي أحد التصورات التي ترتكز عليها الدولة في إدارة البلاد، والتصورات تشكل العقلية الإدارية التي تحكم وتقرر، وبالتالي فإن الخلل في الفكر الاقتصادي يؤدي إلى خلل في التخطيط والتنظيم الإداري، يظهر ذلك في الأولويات وتخصيص الموارد وبناء هياكل الدولة ومؤسساتها. وأساس الخلل في هذا المجال: التسليم المطلق للنظريات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المنتجة خارج إطار الدولة ومحيطها وواقعها، البعيدة عن ثقافة شعوبها وتقاليدها وأعرافها ونظمها الاجتماعية القائمة.

ثانيًا: الخلل في الأداء الإداري

والخلل في الأداء الإداري ظاهر في أداء مؤسسات الدولة العامة، فالبيروقراطية التي تستهدف تنميط السلوك وترشيده، وتقليل الاجتهاد وتحجيمه، صارت مجالًا خصبًا للفساد، مما يدل على ضعف الرقابة والمحاسبة. والانهيار في أجهزتها دليل على ضعف الأداء التنظيمي، والخلل في التوجيه والقيادة. وفشل المؤسسات العامة في أداء الدور المنوط بها في التنمية وخدمة أفراد المجتمع، وتحولها إلى مؤسسات احتكارية باسم الخدمة العامة، وتدميرها للقطاع الخاص من خلال الحماية هي مظاهر للخلل في ضبط توجهاتها الأساسية: رؤاها، ومهماتها، وأهدافها، وقيمها، ووسائلها؛ وهو خلل أساس في الأداء التخطيطي.

ثالثًا: الخلل في نظم التقويم وآليات التحسين

يدل على هذا استمرار الخلل وتفاقمه، وتتابع التقارير المبهرة عن الأداء والإنجاز، التي تخفي العيوب والمشكلات، وتضخم جوانب الإنجاز، كما يلاحظ في تقارير الإنجازات نفسها الشكلية، وإظهار أوجه الصرف ومبالغه لا آثاره ونتائجه وآلياته. فالمؤشرات المعتمدة في نظم التقويم مالية عمومية، مصممة لشرح اكتمال الصرف على البنود لا التدليل على النتائج والآثار، ولا تحديد مستوى فعالية الخطط وكفاءة الآليات. كما لا يظهر منها الآثار السالبة التي تنتج عن أساليب تمويل هذه الإنجازات، لأنه لا يتم الربط قط بين التمويل وبين الصرف. والتي لو تم ربط بعضها ببعض لظهر من سالب آثارها ما تتضاءل معه الإنجازات التي ترصد، والأهداف التي تحقق. وهذا يمنح أصحاب المصالح والنفوذ الجرأة للفساد والإفساد، ويدعو إلى جعل المؤسسات العامة وسيلة لتحقيق المصالح المؤسسية المادية المرتبطة بالمصالح الشخصية والنفوذ الإداري للعاملين فيها، وهذا نوع من الفساد لانحراف المؤسسات العامة عن مراميها، ولاستغلال المؤسسات العامة لتحقيق المصالح الفردية والنقابية الضيقة، ولآثار أساليب تمويلها (استثمارًا أو جباية) السالب على النشاط الاقتصادي.

وكخطوة أولى لتدارك هذا الخلل الاعتراف بالإخفاقات المبدئية والأساسية، وإعادة صياغة توجهات ومنطلقات فكرية سليمة، ورسم هيكل الدولة وسياساتها من جديد بشكل بيروقراطي بالاستناد إلى مبادئ وقواعد واحتياجات واستبعاد أهواء المتنفذين، وهوايات المنظرين والتخلي عن النظر إلى الدولة باعتبارها ملكية خاصة.

جنوب السودان:

بعد انفصاله عن السودان، يعاني سكان جنوب السودان من مشاكل اقتصادية كبيرة تجلت في ضعف القدرة الشرائية وانتشار البطالة، وانقطاع الكهرباء، حيث يعاني مواطنو جنوب السودان من ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بشكل كبير، ما جعلهم غير قادرين على إطعام أبنائهم.

ويرجع ارتفاع أسعار السلع إلى كون 90% من السلع يتم شراؤها من دول الجوار بالعملة الصعبة، خاصة وأن قيمة الدولار ارتفعت مقابل العملة المحلية، حيث بلغت قيمته نحو 15 جنيها في السوق السوداء، أي خمسة أضعاف السعر الرسمي.

كما أن البطالة -البالغة 12% وفق تقديرات البنك الدولي- هي من المشاكل التي تواجه الناس في هذا البلد بعد انفصاله، فإن التدفق الضخم للعمال من دول الجوار، وخاصة من السودان وشرق إفريقيا وإريتريا، أنتج كمية هائلة جدّا من العمالة أدت إلى تفاقم البطالة في البلاد.

بالإضافة لخطر الجوع الذي يهدد أكثر من أربعة ملايين شخص في جنوب السودان بسبب الحروب والصراعات.

ولحل مشكل ارتفاع الأسعار والبطالة من ضرورة أن تعتمد السلطات على الموارد المحلية، وخاصة القطاع الزراعي مع العلم بأن الأراضي الزراعية تشكل 23% من المساحة الكلية للبلاد

وإعطاء الفرصة للمستثمر والمواطن للمشاركة بالإنتاج، لكن تبقى الأولوية في الوقت الحالي لتوفير الأمن والاستقرار للمواطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السودان
عرض التعليقات
تحميل المزيد