قال تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، إن الإنسان قد عاش منذ زمن بعيد، تجتاحه أمواج من التساؤلات الكونية والوجودية!

ومن أهم هذه الأسئلة: من الذي خلقنا؟ وكيف خلقنا؟ وإلى أين سنذهب؟ هذه الأسئلة اجتاحت العقل الإنساني منذ القدم على المستوى العام، والفردي. ولكن هناك سؤال يجول في خواطرنا، بين الفينة والأخرى، بين الأحلام واليقظة، بين الشك واليقين، وهو أين كان الله قبل أن يخلقنا؟ وهذ السؤال يعد من الأسئلة التي قد تدفع البعض إلى الشك أو الإلحاد.

كيف يأتي هذا السؤال؟

إننا نفترض في مخيلاتنا أن الله كالإنسان، خاضع لفكرة الزمان والمكان! تمامًا مثلما نسأل شخص معين أين كنت منذ قليل؟ فيأتي الرد من هذا الشخص على سؤالنا! ونحن من خلال هذ السؤال، نعتقد في مخيلاتنا في الله، ما نعتقد في أنفسنا، من التواجد في الزمان والمكان! فهكذا يأتي هذا السؤال في بالنا، ثم إنه سؤال بديهي فطري، يبحث عن الصانع لنا وهذا دلالة على أن وجود الله في داخلنا لذلك هو سؤال فطري، حيث يسأل المصنوع عن الصانع، والعابد عن المعبود والعبد عن الإله. ولكن علينا تذكر قوله تعالى «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير».

كيف يمكن الرد على هذا السؤال؟

يمكننا الرد، ولكن علينا أولًا أن نقوم بشرح بعض المصطلحات، الشهادة، الغيب! ما هي الشهادة؟ وما هو الغيب؟

الشهادة: هي كل ما يشاهده الإنسان أو يدركه بالحواس. مثل ما يدركه بالعين.

الغيب: ما غاب عن حواس الإنسان مثل المستقبل أو أحداث لم يشاهدها.

كيف يمكننا التوصل عقلانيًا للجواب؟ بعد تعريف الشهادة والغيب؟

نقول بأنك لو دخلت إلى الجامعة مثلًا ودرست وتخرجت منها، فهذا يعني بأن للجامعة مؤسسًا أنت لم تره! ولكن هذا لا يعني بأنه غير موجود! بل وجود الجامعة والنظام يدل على وجود المنظم والمؤسس لهما! وكذلك الكون عدم رؤيتك لله هذا لا يعني عدم وجوده، بل مجرد وجود الكون في حد ذاته دليل على وجوده.

ثم إنك التحقت حديثًا بجامعتك أي انك حديث العهد بها مقارنة بتاريخها وتاريخ بنائها!

فهذا يعني بأنك لم تكن موجودًا أثناء تأسيسها، بل يعني وجود مؤسسها، فهل عدم رؤيتك ومشاهدتك لمؤسسها يدل على عدم وجوده؟ وهل تستطيع أن تعرف أين كان لحظة بنائها؟

ثم علينا أن نعلم أن مدير الجامعة يختلف عن الطلاب؛ فهو الذي يدير الجامعة والمؤسسة بطريقته، حتى أنه لا يخالط الطلاب؛ لأنه في بعد مختلف، ومكان مختلف «مكتب» خاص غير مكان تواجد الطلاب، إلا أنه يدير المؤسسة من مكانه وبعده المختلفين!

ثم هل تستطيع أن تعلم أين كان الذي بنى بيتك؟ وأين كان الطبيب الذي أشرف على ولادتك؟ وأين كانت غرفة ولادتك؟ هل تستطيع أن تحدد أين كان والدك حتى في تلك اللحظة؟ هل عدم معرفتك يدل على عدم وجودهم؟ وأن لا وجود لهم؟ أو حتى لو سألنا أين كنت منذ شهر في ساعة محددة؟ ويوم محدد؟ هل تستطيع الجواب؟ طبعًا لا ببساطة؛ لأنها مسائل غيبية غابت عن حواسنا، ولكن هذا لا يعني أنها غير موجودة!

ثم إن الإنسان بحد ذاته مخلوق جديد. أي جاء وجوده حديثًا في هذا الكون الفسيح، مثل الطالب الذي التحق بالجامعة بعد بنائها، فلن يستطيع أن يعلم شيء في غيبيات تاريخها. ببساطة لأنه لم يشاهد تلك اللحظات. لذلك أقول بأن «غير المشهود، لا يعني أنه غير موجود»، يقول الدكتور هشام عزمي في كتابه الإلحاد للمبتدئين: هذا أمر يستوي في الإقرار به كبار جميع بني آدم وصغارهم، إلا من غالط حسه وكابر عقله: لأن الاستدلال على الشيء لا يكون إلا في زمان. وهذا يعني أن مسألة الاستدلال على المكان مربوط في الزمان، والله خارج الزمان بمعنى أنه لا يمكن الاستدلال على المكان لأنه أساسًا خاج زماننا. والزمان بدأ حين خُلق الكون، والله موجود قبل الزمان!

ثم إننا نؤمن بكل ما جاء في الكتاب، وحتى أن هنالك مخلوقات لا نراها، ولم نكتشفها بعد، ولكن هذا لا يعتبر أنها غير موجودة مثل الجن، والملائكة، وحتى آدم نفسه لم نره! الله تعالى يقول: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم»، أي أن هناك كائنات ومخلوقات لها وجود إيماني، لم نرها، ولم، ولن نعلم مكانها، ولكن نصدق بوجودها بغض النظر عن مكانها! فإذا كان المخلوق هكذا؟ فكيف بالخالق؟ ولقد قال تعالى: «ما اشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم».

إن مثل هذا الأسئلة الغيبية لا يكون جوابها محصورًا على المادة والشهادة؛ لأنها غيب، ولكي نصل إلى الأجوبة الغيبية علينا أن نعمل العقل، لكي نصل إلى الجواب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد