كان أبي يجاوبني قَائِلًا: كان في السماء يا بُنِيَ،لم يقل ذلك لأنه لا يعرف، لكنه قال ذلك لأن محدودية عقلي حينها لم تكن لتستوعب أكثر من ذلك.

بعد حين،في سن الثانية عشر سألت محفظ القرآن، أين كان الله قبل خلق الكون؟!

رد قَائِلًا: «لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم»، ماذا؟! هل يجب علينا ألا نسأل هذا السؤال؟!

وما الذي سوف يسوؤنا؟!

وقد يجاوب بعضهم حينها قَائِلًا: لا تسأل هذه الأسئلة، إنها من الشيطان!

لا بل هذه الإجابات هي التي من الشيطان، إذ إنها إجابات غير منطقية وتعمل على تهميش العقل وتُحيل السائل إلى أن يستسلم إلى أن الإجابة هي أنه «لا يوجد إجابة».

«أَيْنَ كَانَ اللَّهُ قَبْلَ خلق الْكَوْنِ؟!».

«أين» تجدها تشير إلى المكان و«قبل» تشير إلى الزمان،لذلك تجد أن السؤال هنا يسأل عن حدث، وأي حدث له شرطان هما الزمان والمكان، ويمكن أن نُطْلق عليهم الزمكان (الزمان-مكان) أو الزمان المكاني كما أَطَلقَتْ عليه النظرية النسبية،
وهي قوانين فيزيائية مخلوقة، خلقها الله الواحد لتحكم جميع المخلوقات وتكون لهم بمثابة وسيلة لتحديد وترتيب الأحداث.

فالباعث نحو هذا السؤال هي تلك القوانين التي تحكم العقل البشري، الذي كلما واجه معنى جديدًا قاسه وعرضه على ما هو موجود عنده من أدوات قياس وقوانين تحكمه، لذلك هذا السؤال غير منطقي، لأنه لا يمكن أن تنطبق القوانين والأدوات المخلوقة على خالقها، ولأن الله الخالق ليس حدثًا لكي يحكمه الزمان والمكان.

وهذا الطرح يتفق مع الدين الاسلامي، حيث سأل أحدهم النبي محمد قائلًا: أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟

فجاوبه النبي محمد قائلًا:  (كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ)، كلمة «عَمَاءٍ» تعني العدم، فلا زمان ولا مكان وكلمة «مَا» هنا ليست اسمًا موصولًا، بل «مَا» نافية، تنفي وجود هواء حول الله قبل خلق الكون، ولعل النبي محمد استخدم لفظ «هواء» لأنه أخف الأحداث، فالهواء حدث يلزم لوجوده مكان وزمان، فقد تم نفي وجود أي حدث.

لكن لا! العقل البشري لا يمكن أن يتوقف عند هذه الأسئلة، فلذلك من الممكن أن يسأل سُؤَالًا أصعب.

من خلق اللَّه؟!

تذكر أن الأجابة على الأسئلة من هذا النوع تكون إجابة واحدة وهي أن القوانين المخلوقة التي تسري على المخلوقات الأخرى لا تسري على الله الخالق.

فإن كان حسب الْمُدْرَكَاتِ العقلية للبشر كل شيء له بداية وله نهاية،فاعلم أن قانون «البداية والنهاية» مخلوق وهو أحد أفرع قانون الزمان، ليكون وسيلة من وسائل إدارة هذا الكون وهذا اعتقاد التصورات الفلسفية والعلمية وأيضًا اعتقاد الأديان.

هب أنك تقف على بداية طريق طويل، إلى أي مدى سوف يصل نظرك! قد يصل إلى بُعْد مِيل أو مِيل ونصف، أما بَعْدَ ذلك فلن تستطيع الرؤية لمحدودية النظر، حينها سوف تستخدم منظارًا، أما إذا أردت أن ترى القرية المجاورة فإنك قد تضطر لاستخدام التلسكوب، هذا لأن الإنسان يتسم بالمحدودية ،مهما قام بتطوير إمكانياته في النهاية تظل محدودة، قِسْ على ذلك العقل البشري والإدراك، بعد القياس سوف تدرك أن عقلك يتصف أيضًا بالمحدودية.

هل سمعت من قبل عن المحدودية؟!

المحدودية هي أهم قانون مخلوق، حيث يقع أثرها على كل المخلوقات، ليس فقط المخلوقات الْمُجَسَّمَةَ، بل حتى يقع أثرها على باقي القوانين كلها مثل الزمان والمكان والسرعة والضغط…وإلخ. كلها تتصف بالمحدودية.

 وهي باعث أساسي للأسئلة من هذا النوع «أَيْنَ كَانَ اللَّه»، الإنسان دائمًا يدعم التطور والوصول لإجابات وحلول لكل تطلعاته، وهذا إن كان يثبت شيئًا، فهو يثبت محدودية الإنسان، محدودية النظر ومحدودية القوة ومحدودية الإدراك ومحدودية الأدوات.

 لذلك أدوات الإنسان المحدودة هي ما تدفعه لهذه الأسئلة، الإنسان لا يستطيع أن ينفي المحدودية عن نفسه، لطالما أنه ما زال يبحث ويطور فهذا إقرار منه بالمحدودية.

لذا يمكنننا القول بأن المحدودية قانون مخلوق مثل قانون الزمان والمكان، ويسري على كل المخلوقات الْمُجَسَّمَةَ كالبشر
وغير المجَسَّمَةَ كالقوانين الكونية ولا تسري على الله الخالق.

ارتبطت المحدودية دائمًا عندي بمعنى الإيمان والإسلام، فالإسلام يعني الانقياد والخضوع والاستسلام، كلما شعرت بمحدوديتي كلما أقررت بالإسلام واستسلمت، ليس ضعفًا، بل حبًا وشوقًا لهذا الخالق وعظمة خلقه وعظمة صفاته التي تتخطى كل تصوراتنا العقلية عنها لأن كل الذي عند الخالق كما قال هو عن نفسه «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وذلك لمحدودية أدواتنا المستخدمة في إدراك ذلك.

كل شيء فوق محدودية المخلوقات هي أشياء استأثر بها الخالق في علم الغيب عنده ليعلم المخلوقات
أن اللَّه  يُستدل به ولا  يُستدل عليه ،فهو برهان كل شيء. ولكي يصل بالمخلوقات أن يؤمنوا بوجوده دون معرفة علم الغيب الذي عنده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي
كتاب علم الايمان للشيخ عبد المجيد الزنداني
قصة الإله (مورجان فريمان)
عرض التعليقات
تحميل المزيد