إلى عائلتي:

قديمًا كنت أسمع كثيرًا جملة «شيلنا الهم» ولكن لم أستشعر معناها قط إلا في أيامنا هذه.

إخوتي، قد ماتت أرواحهم كمدًا، فلقد أصبحوا يعيشون تلك الحياة بجسدهم فقط، لم تتحمل تلك الأرواح الطيبة أن تصمد كثيرًا في وجه الطغيان، لم تكابر أرواحهم على البقاء طويلًا، فلَكم هي رقيقة شقّ عليها أن تتحمل كل هذا.

أختي، أشعر بكِ، أشعر بحجم معاناتك، ولكن اعذريني أنا أفتقد أن أعبر لكِ عن هذا، ولكني أجيد أن أعترف به على الملأ.

منذ طفولتنا تعودنا أن نراكِ إلى جانب أمي، تساعدينها، وتتحملين معها مسؤولية كل شيء، تتقاسمان سويًا الأعباء، بل وربما أوكلتها إليكِ كُلها، كنتِ دائمًا محل ثقة لدينا جميعًا نلجأ إليكِ وكأنكِ أم ثانية، كانت الابتسامة لا تفارق وجهك، الضحك والمرح هما سمتاكِ، ولكن…

الآن فلقد انطفأت جذوة تلك الفرحة التي كانت تطل من عينيكِ دومًا، ذلك الشعور بالبهجة الذي كلما نظرت إليكِ كنت أشعر به، تحاولين جاهدة أن تستقبليني كعادتكِ ولكن هيهات فقد قُتِل شيء ما داخلك، فما بين أربعة أطفال وزوجك المعتقل قد استنزفت روحك، اغتِيلت على أعتاب المسؤولية، لن أحكي كثيرًا عن تلك الأعباء التي فجأة أُلقيت على عاتقكِ وحدك، هون الله عليكِ حبيبتي، وفرج قريب.

أخي، الفارس المغوار، الجندي المجهول خلف كوننا أحياء بعزة إلى هذه اللحظة، يفرد جناحيه ليتلقى عنا الصدمات، فيخففها عنا، يتصدى لكل ما يعترينا من أزمات، يشاركنا أدق أدق التفاصيل، فلولاك ما كنا أخي، فأنت بمثابة المأوى الذي يحتوينا، وفيك يتجسد معنى الأمان، فإن كانت الحياة عبارة عن بطاقة ائتمان فأنت رصيدنا الوافر فيها وإن غبت، غابت عنا الحياة.

أخي المُطارد، ربما لن يشعر أحدٌ بحجم معاناتك، حتى أنا، حتى أقرب الأقربين إليك، فأنت وحدك من تعيش هذه الأجواء التي امتلأت بالوحشة والكآبة، امتلأت بالرهبة والسكون، امتلأت بأشياء كثيرة لن أجيد التعبير عنها، ففي كل لحظة مرت عليك وأنت بعيد عنا تتجرع كأس مرارة الاشتياق لجو العائلة، كنا نحن نتجرع آلاف الكؤوس، نتذكر كلماتك ونتحدث بها دومًا، في كل موقف يمر بنا نتخيل ردود أفعالك وحركاتك. أعلم أن روحك قد غادرتك شيئًا فشيئًا حتى أصبحت تغدو وتأتي بلا روح، هائمًا على وجهك، ولكني أيضًا أعلم أنك قوي، تتخطى الأزمات التي تتعرض لها بشجاعة، تربط أنت على قلبك وتمد يد العون لنفسك لتساعدها على تحمل هذه الظروف الصعبة، فثبتك الله أخي ولقاءٌ قريب.

أخي المعتقل، هل ستصدقني إن أخبرتك بأن ابتسامتك تلك قد أصبحت هي مصدر سعادتي، هل تعلم أنني لا أتوق شوقًا لشيء إلا للقياك، هل تسمع طرب قلبي عند رؤيتك، هل ترى كمّ فرحتي لسماع صوتك، أنت نورُ فؤادي في الليالي الظلماء، وأجمل شاب في البذلة البيضاء.

أبي، ربما لم نتأثر كثيرًا باعتقالك لأننا لم نكن مرتبطين بك على الوجه الأمثل، فمنذ البداية قد ارتبطت بدعوتك، ارتبطت بالشارع، بالناس، ارتبطت بسعيك للخير دومًا، وقد صارحت رفيقتك بهذا منذ البداية حتى لا تشكو لاحقًا، أما قلت لها عند خِطبتها أبياتًا من الشعر:

 

يا حبيبتي

لستِ وحدكِ قضيتي

أنتِ جزء من قضية

فأنا غارق في قضايا أمتي

وقد أدركتها المنية!

 

فكنت رمزًا أكثر منك أبًا، تعطي قدوة ونموذجًا فريدًا ربما لن يتكرر لاحقًا، فالخاسر الأكبر باعتقالك هو الشارع، هم الناس، هي الدولة.

أمي، يا مسك الختام، يا نورًا يملأ الوجدان، تخربطت أفكاري وتزاحمت حين جاء دورك، فأصبحت تقف جميعًا على الباب ومنها ما ذهبت للنافذة، تتدافع حتى تسبق إحداها الأخرى ولكن جميعها أقوياء، ففكرة حبي لكِ تدفع جانبًا عطاءك اللا محدود في محاولة منها لتسبقها لكي أعبر عنها بكلماتي، ولكنهما تتفاجآن بفكرة صمودك وثباتك التي تقفز فوقهما وتفصلهما حتى يتسنى لها أن تخرج ولكن هيهات يقابلها فكرة سحر ابتسامتك وإشراقك وأملك المتجدد فتقطع عليها الطريق، وفي خضم تلك المعركة تأتي من الخلف فكرة تُفاجئ بقوتها الجميع، فكرة أزاحت ما أمامها من أفكار وخرجت هي كالإعصار من عقلي، ألا وهي صبرك، فأيتها الأم الصابرة جزيتِ الفردوس الأعلى مع الشهداء والنبيين والصديقين.

ربما تحدثت في هذه المقالة بشكل شخصي ولكن هذه المقالة هي حالة شعورية تعيشها أُسر كثيرة وتمس قلب الكثيرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد