أخشى أن يأتي يوم نحلم فيه بالهجرة إلى تونس – ولا حسد – ونتحدث عنها كما أصبحنا نتحدث عن ماليزيا وتركيا؛ انبهارًا واستسلامًا.. وإحباطًا أيضًا، ونبقى نحن في خلف كجلد الأجرب.. نبقى ننفخ في نار الخلافات والصراعات… وأوهام العرق النقيّ والعرق المندسّ.. ونتقاسم الشارع لقاءً وتفكيرًا، ثم نضيع في متاهة بنيناها بأنفسنا وشغلتنا بغياهبها، بينما كان علينا أن نبني حافزًا نفسيًا إيجابيًا يدفعنا للعمل ويشغلنا بالتشييد.

أنظر بعين الغبطة – ولا حسد – إلى المغرب وتونس، وأتفحّص مؤشّرات الاقتصاد والسياسة، فيجيبني رصيد المؤلّفات وأعلام الباحثين والخبراء الذين تملأ أسماؤهم سماء البحث العلمي، وكتبهم رفوف مكتباتنا في مختلف التخصّصات ويستنجد بها باحثونا في إنجاز دراساتهم منبهرين بالدرجات التي بلغها العقل غير بعيد عن حدود بلادهم.

وبالعين نفسها أنظر إلى مالي والنيجر والتشاد، وأنا غير مقتنع بأنها لم تفتح بابًا على وجهة صحيحة، ثم أغوص في أعماق أفريقيا، فيقتلني خبر إطلاق قمر صناعي لتوفير الإنترنت مجانًا في رواندا، ويصعقني مؤشّر النموّ الذي بلغ فيها أكثر من 7%، وما أدراكم ما 7% في مقياس النموّ الاقتصادي، بالنسبة لدولة كانت تعيش تحت وبال الحرب الأهلية والتصفية العرقية التي حصدت في غضون 100 يوم فقط ما يقارب مليون رأس بشري، كانت تعتبر يومًا رقمًا ديمغرافيًا ثقيلًا يرهق كاهل مخطّطات التنمية والاقتصاد ويُحسب له ألف حساب.. تستوقفني رواندا كثيرًا، وهي التي لم يكن معقولًا أن يتحدث أحد عن السلام، ولا عن الاستقرار والتطوّر فيها، فما بالكم بأن تتصدّر قائمة الدول الأكثر نموّا في قارّة تعرف بأنها قارة التخلّف والحروب والانقلابات العسكرية، بل تتصدّر قائمة الدول الأكثر نموا في العالم! ولا يهدّئ حالة الجنون هذه أقرب أصدقائي وهو يهمس في أذني «رواندا تحظى بدعم اليهود، لذلك تمكّنت من تحقيق قفزة عظيمة!».

ويسلب التذمّر أنظار العالم بعيوني، فأرى ليبيا التي تحترق وهي تتجاوز محنتها وتضع خطوات عملاقة في الاتجاه الصحيح.. تطوي بها عهد القذافي وتبعات عهده، وتقطع الصّلة بكل ما له علاقة بالجنون الأفريقي.. تنظّف شوارعها من بقايا الأعيرة النارية والقنابل والقذائف، وتنظّف عقول شعبها من أفكار الزعامة والاستعراضية، وتضرب موعدًا مع اللون الأبيض الناصع.

أثبت لنا مسار الدول التي كسرت نمطية سيرورتها التقليدية أن الشعوب العظيمة تشقّ طريقها سريعًا نحو مراجعة أسباب تخلّفها، وتقفز على العقبات، وتصنع مشاهد الرقيّ التي أبهرتها في باريس ولندن وطوكيو وواشنطن على أراضيها، ولا تهاجر إلى تلك المدن لتعيش متعة الوقوف في تلك الأماكن والتردّد عليها.. الوقت يمضي بسرعة والإنسان في المجتمعات التي استطاعت أن تعيد اكتشاف نفسها، وتعبّر عن عبقريّتها في مساحاتها يضرب في أعماقه وفي أعماق الأرض ليخرج عقلًا يتفوّق على عقله التقليدي إنتاجا وسلوكًا.. يضرب في أعماقه ليحدث فجوة كبيرة، تزداد اتساعًا، تفصله عن قرينه الإنسان الذي لم يراوح مكانه، بينما تزداد قربًا في الجهة الأخرى من الإنسان الذي صنع الحضارة وأراد أن يتفرّد بغنيمتها ويحتكر منجزها.

سنوات قصيرة جدا ستكون كفيلة بكشف مزيد من العورات وإحداث مزيد من الجراح في أقاليم قليلة من هذه المعمورة، أخشى أن نكون من بينها، وستكون هذه السنوات ذاتها كفيلة بتوسيع دائرة النور لتشمل مساحات كان يغطّيها الظلام غير بعيد عنّا.. لا حسد لمن خرج من الكهف المظلم، ولكن العزاء لنا.. نحن الذين ضاقت علينا أنفسنا.. والأرض شاسعة… والنفس تائقة.. واليد ملأى.. عذرًا لهذه المسحة الحزينة.. لكن شعوبًا بسيطة بدأت تدخل محفل العظمة وعبّرت عن قدرتها بإنجازات ميدانية.. بينما ما زلنا نعتقد بأننا تحت وطأة لعنة تطاردنا ولا مخرج لنا.. عذرًا لنفسي قبل أنفسكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد