حين ظهر فيلم “وهلأ لوين” عام 2011 لنادين لبكي وتناول القضايا الطائفية بلبنان، حصد الكثير من الجوائز ورُشح لعدد من التنافسات العالمية وأُثيرت حوله العديد من النقاشات.. كان فيلمًا من الواقع.

 

 
لم نكن ندري حينها أن كلمة “وهلأ لوين” ومترادفاتها ستكون الأكثر استخدامًا في واقعنا القريب القادم، وأن أفلام العرب وهوليوود وبوليوود مجتمعة لن تكفي لتناول قضايانا التي تتعقد كلما مرت عليها أيام “الربيع” الذي استحال خريفًا جهنميًّا.

 

 
الفيلم الذي صوّر أكثر الموضوعات الشائكة على الساحة اللبنانية “الطائفية”، وقفتْ مخرجته يائسة أمام أبسط قضية – إن جاز أن يطلق عليها اسم قضية أصلًا – تواجه أي قطعة أرض تسمى دولة في العالم، “جمع القمامة”.. نعم.. لبنان الجميلة، لبنان التاريخ والتراث، لبنان الموضة والسهر، لبنان الأرز والثلج، لبنان سوريا وفلسطين، لبنان لبنان.. تعاني من أنهار القمامة المخترقة للشوارع في أول موسم المطر! وبدلا من اجتذاب المرتفعات المتدرجة بالأخضر لعدسات الكاميرات؛ اجتذبتها تلال القمامة المتكومة أسفل البنايات!

ولم تُجْدِ شعارات “طلعت ريحتكم، أنا مش زبالة” نفعًا مع هذه الكارثة الإدارية قبل أن تكون بيئية، فما فسد في الواقع لن يُصلح بالخيال أو الفن.. يا لبنان!

 

 

 
وإذا اعتمدنا اللهجة المصرية للكلمة “رايحة بينا على فين يا مصر؟” سيكون الجواب مُكهربًا كمصيبتنا في الإسكندرية، صحيح أن محافظات أخرى نالها من البؤس جانبٌ إلا أن لا عزاء في الإسكندرية، ليس – كما يردد البعض – للأغاني والأشعار التي قيلت فيها على مر تاريخها، لكن دلالة على فساد بقية القُطر المصري، الإسكندرية التي ما أن تولاها محافظ حتى أثير حوله الجدل وتتبعت أخباره وحاول إثبات منجزاته المختلفة عن سابقيه، ولربما ثبت في ذاكرة الشعب أسماء وملامح محافظي الإسكندرية في حين أنهم لا ينتبهون إلى أسماء محافظي العاصمة. وأسباب قيمة الإسكندرية في وجدان المصريين والعرب غنية عن السرد والتبيان.

تلك القيمة هي التي تسببت في الصدمة الحزينة أمام شلالات الفساد التي ظهرت في صور المدينة المنهكة، مما استدعى التحرك الفوري للمسؤولين، لا لإنقاذ المدينة بل لمعالجة الصدمة بالكيّ، ولا يصلح للكي إلا ريهام سعيد!
أما إذا استخدمنا الفصحى في نطق الكلمة “… إلى أين؟” لكانت الإجابة أكثر ألمًا وحرقة.

ثقافتنا إلى أين؟

هالني منشور ساخر كتب صاحبه عن “موضة مقالي الأول”.. وشاركه المعلقون عنده بالضحك والاستهزاء على الكتّاب الشباب الذين لم يجدوا لآرائهم متنفسًا غير محاولات الكتابة التي تنجح بالتأثير التراكمي في كثير من الأحيان، الكتابة التطوعية التي لا دعاية لها سوى السياق الشخصي لكل فرد، ولا عائد منها إلا الارتياح من طرق فكرة ما على بؤرة تفكير الكاتب.

وزاد الاستهتار بالكتابة لدرجة أن إحداهن علقت على منشور أحد الأدباء ينصح بمتابعة كاتب آخر بــ”من قال أنك مقياس الثقافة؟”.

وكأن آمالنا في ظهور أقلام وآراء من جيلنا تحمل ما نؤمن به كانت ترفًا نملأ به نقاشاتنا، حتى إذا صارت حقيقة تنكرنا لهذه الآمال واستهزأنا بها واستكثرناها على أنفسنا.. يا سبحان الله!

الجماعات الإسلامية إلى أين؟

هذا السؤال وحده كفيل بنضوب الأقلام وتشظي الأفكار، فمن ذا الذي بإمكانه أن يحصي قطع الزجاج المسرطَن؟ أو يحل خيوطَ بيت العنكبوت كلًّا على حدة؟ أو يوقف النحيب على ماضٍ تليد ومستقبل لا يريد أن يأتي؟!

كل الكلمات التي يمكن أن نضعها قبل “إلى أين” سنقف أمامها في صمت ودمع ودم ثم نتحول إلى الاستهزاء من واقعنا إلى أن نصطدم بنفس علامة الاستفهام مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد