من المعلوم أن من سنن الله في الكون: التفضيل، فقد فضَّل الله بعض الأنبياء على بعض، ففضل منهم محمدًا، وفضل من الناس أصحابه، و فضل من أصحابه أبا بكر، وفضل مكة على سائر البلدان، ورمضان على سائر الشهور، ويوم عرفة على سائر الأيام، وفضل بعض الأعمال على بعض.

وما يزال يشغل عقول السائرين الى الله، أن يوفقوا في اختيار أحب الطرق إلى ربهم، وأن يقوموا على أفضل الأعمال عند حبيبهم، كي يتحصلوا على رضاه وينعموا بثناه، فيُسَرُّوا حين لقياه.

ولمَّا كان من واجب المحبين والسائرين إلى الله في طريق الله أن يفهموا أوامر محبوبهم، ودرجاتها، ومنازلها، وأوقاتها، كان لا بد أن يوضحها لهم أولو العلم؛ لأنهم مصابيح الدجي التي تنير الطريق إلى المحبوب، حتى يكون السير على بصيرة، فهم حاملو رايات السير، وقادة قوافل المحبين.

ومن هؤلاء طبيب علل القلوب، وخبير آفات النفوس: الإمام القيم ابن القيم.

وقد ذكر في كتابة النافع الماتع «مدارج السالكين» أن أهل مقام (إياك نعبد) لهم في أفضل العبادات أو الأعمال وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربعة طرق، أي تعددت آراء العلماء في تحديد أفضل الأعمال إلى أربعة أصناف – أنقل كلامة بتصرف وتقريب – كالتالي:

الصنف الأول قالوا: إن أفضل الأعمال والعبادات وأنفعها وأحبها إلى الله: أشقها على النفوس وأصعبها، لأن هذه الأعمال الشاقة أبعد الأشياء عن الهوى، وهو حقيقة التعبد، وقالوا الأجر على قدر المشقة.

الصنف الثاني قالوا: أفضل الأعمال والعبادات وأنفعها وأحبها إلى الله: التجرد والزهد في الدنيا والتقلل منها قدر الإمكان، وهذا الصنف منه عوام وخواص.

فالعوام قالوا: الزهد غاية كل عبادة ورأسها.

والخواص قالوا: المقصود عكوف القلب على الله وجمع الهمة عليه، وتفريغ القلب لمحبته.

الصنف الثالث قالوا: أفضل الأعمال والعبادات وأنفعها وأحبها إلى الله: ما كان فيه نفع متعدِّ إلى الغير، فخدمة الفقراء، وقضاء حوائج الناس، ودعوتهم، ومساعدتهم، أفضل من عمل العابد؛ لأن عمله مقتصر على نفسه، أما عملهم فإنه متعدٍّ إلى الغير، وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي بك الله رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم».

الصنف الرابع قالوا: أفضل الأعمال والعبادات وأنفعها وأحبها إلى الله: العمل على مرضاة الرب بما يقتضيه الوقت ويتطلبه.

فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل من ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن.

والأفضل في وقت حضور الضيف، مثلًا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل.

والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار.

والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به.

والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال، بإجابة المؤذن، وكذلك الأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع وإن بَعُد كان أفضل.

وهذا الرأي الأخير هو الراجح والأكثر تناسقًا مع روح الشريعة الغراء، و قد رجحه الإمام ابن القيم، مما يدل على عمق فهمه، ثم قال:

وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف الأخرى هم أهل التعبد المقيد، فمتى ترك أحدهم الفرع الذي تعلق به يرى نفسه وكأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد.

أما صاحب التعبد المطلق، فهو يتتبع مرضاة الله أينما كانت، وما يزال متنقلًا بين منازل العبودية، فهو عالم مع العلماء، ومجاهد مع المجاهدين، وعابد مع العباد، و ذاكر مع الذاكرين… انتهى بتصرف.

ماذا نحتاج وتحتاج أمتنا؟ وماذا يحتاج ديننا اليوم:

إن الأُمه اليوم غارقة في الظلمات، تائهة عن طريق الله، يغزوها المستعمر في عقلها، في ثقافتها، في دينها.، في قيمها، لا يكاد يترك لها صغيرة ولا كبيرة إلا وتكالب عليها، فالمسلمون اليوم هم أبعد ما يكونون عن دينهم، وأبعد ما يكونون عن قيمهم وعن أخلاقهم.

تحتاج الأمة إلى من يأخذ بيدها إلى النور، ويردها إلى طريق الله، تحتاج الأمة اليوم إلى من يربيها ويعلمها ويجدد الدين في قلوبها، تحتاج إلى من يحيي قيمها وثقافتها ويرشدها إلى الفهم الصحيح والتطبيق السليم لدينها، تحتاج الأمة اليوم أن تدافع عن كل ثغرة تؤتى من قبلها.

تحتاج إلى رجال، بل إلى جبال كصحابه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورجال القرون الأُول، ليأخذوا هذه المهمة الشاقة على عاتقهم؛ فيقوم الدين في قلوبهم وعقولهم وجوارحهم، يعملون له ليل نهار، فيكون كل عملهم لله ولأجل رفعة الدين، تحتاج إلى المصلحين في الشوارع، والمساجد، والشركات، والمدارس، والأسواق، والجامعات، كل مصلح في مكانه يقيم دين الله، ويرشد خلق الله إلى الله ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

إن لم نكن من هؤلاء فواجبنا أن نصنعهم أو نشارك في صياغتهم.

ولا شك أن مثل هذا العمل لا يعدله عند الله شيء، ولا أحب إلى الله منه.

قال الله «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ»

«وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».

قال رسول الله ﷺ:

«فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (صحيح مسلم)

وقال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» (صحيح مسلم)

فعل بعد هذا منزلة أعلى وأسمى؟ وهل بعد هذا الجزاء جزاء؟

إياك والميزان الرقمي للأعمال:

لا تُقَيِّمْ نفسك رقميًّا ولا تصغر نفسك إلى رقم.

في عصر المادة قد تحول كل شيء إلى رقم، فقد صار معظم الناس ينظر إلى إنجازاته كأرقام: كم جمع من مال؟ وكم حصل على شهادة؟ وكم حضر من دورة؟ وكم قرأ من كتب؟ وكم.. وكم.. وكم…

لكن مقياس العبودية والسير إلى الله يختلف، فالعبد ينظر إلى ما يرضي ربه ويقدم عليه، ليصير مؤمنًا صالحًا خاشعًا مخبتًا، لذا قال رسول الله ﷺ: لَنْ يُنَجِّيَ أحَدًا مِنكُم عَمَلُهُ قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ برَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وقارِبُوا، واغْدُوا ورُوحُوا، وشيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا.

وقال «خير الأعمال أدومها وإن قل».

القليل مع الإخلاص والاستقامة كثير.

ليس كل شيء يخضع للميزان الرقمي الذي صَغَّرَ كل شيء،

ففي طريق العبودية تجد أن الإخلاص والفهم والتطبيق الصحيح والاستقامة لا يعدلها شيء، وهي موازين الأعمال،

والمهم والمطلوب أن تبقى مستقيمًا على طريق الله، تبعده وتتقرب إليه وتجاهد في سبيله، وتذب عن دينه، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولو كان بأقل القليل الذي يبقيك على الطريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد