منذ اندلاع ثورة الشعب المصري المجيدة في 25 يناير 2011، والحديث لا يتوقف عن العلاقات مع إيران واحتمالات تحسنها، قبل أن تأتي تطورات متلاحقة دفعت بهذا الملف إلى بؤرة الاهتمام وأثارت الكثير من الجدل حول هذه العلاقات، ما بين جهات ترحب بها وتتوقع منها خيرًا، وأخرى ترفضها ولا ترى من ورائها إلا كل شر.

وكان التطور الأبرز هو تشغيل خط جوي بين البلدين في العام 2013، فضلاً عن وصول فوج من السائحين الإيرانيين إلى مدينة أسوان جنوب مصر، بالتزامن مع زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني للقاهرة، ونثره العديد من التصريحات الوردية حول قوة العلاقات بين البلدين والآفاق الواسعة لتطويرها.

لكن الأجواء في مصر لا تسير في الاتجاه نفسه، حيث تهيمن على الكثيرين هواجس وتخوفات تصل لحد المعارضة الصريحة، وخاصة لدى التيارات السلفية التي ترفض التقارب مع إيران بسبب اعتناقها المذهب الشيعي وسعيها لنشره. ما يفرض على القاهرة قطع جميع علاقتها بطهران إرضاءً للقلة السلفية المتوجسة خيفة من خطر المد الشيعي “الوهمي”، بالرغم من تخوف معظم الأقطار العربية من ذلك، إلا أنها مازالت على اتصال وثيق بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي هذا السياق، لا يسعني سوى أن أضرب مثالاً ضروريًا يتمثل في العلاقة التجارية والسياحية بين تركيا وإيران، والتي تبدو الأكثر قوة على الإطلاق بين بلدين في الشرق الأوسط، لكن ذلك لم يغير في حقيقة أنهما تتقاتلان بالسلاح في سوريا، فضلاً عن الحرب الباردة الواضحة بينهما على الدور والحضور في المنطقة عمومًا.

ولك عزيزي القارئ أن تتحدث أيضًا عن العلاقات الدبلوماسية بين دول الخليج وإيران، وكذلك السياحية والتجارية الواسعة، فيما لا توجد لمصر علاقة دبلوماسية رسمية مع إيران، والعلاقة التجارية والسياحية في أدنى مستوياتها، مع العلم أن مثل هذه العلاقة ليست منحة، بل هي مصلحة متبادلة.

وهنا يجدر بنا أن نتساءل لماذا يتجاهل المسؤولون في الدولة والحكومة الحاجات الاقتصادية لمصر، ومطالب الشعب المصري من أجل هواجس الآخرين، حتى لو كانت من النوع المبالغ فيه؟! ثم هل الأمن القومي المصري هشٌ إلى درجة تمنح إيران فرصة اختراقه بسهولة؟!

أما فيما يتعلق بهاجس المد الشيعي الذي يتلبس كثيرًا من الناس، الأمر الذي يُسيء لمذهب أهل السُنّة، إذ يظهره بمظهر الهشِّ الذي يمكن تغييره بكل بساطة، وهو ما ينبذه التاريخ، ولا قيمة هنا لحفنة من الناس جرى اصطيادهم باستغلال المال وأجواء الجهل في بعض البلدان.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا النوع من المذاهب “مذاهب الأقليات” لا يؤخذ غالبًا إلا بالوراثة، ثم إن هناك انفتاحًا إعلاميًا هائلاً لا يمكن معه منع التواصل بين البشر، وكما أن هناك قلة تشيَّعوا، فإن هناك آخرين تسنَّنوا، وحين تعجز إيران عن تشييع سُنّتها، فهذا تأكيد على ما نقول، والغريب أن مذاهب الأقليات هي التي تخشى على نفسها الانقراض، إلا أن هنا يحدث العكس “خلافًا للحقيقة” في وعي البعض ممن يجهلون تعقيدات المشهد، ولا يثقون بأنفسهم ومذهبهم.

وحقيقة الأمر، أن خلاف القاهرة مع طهران لا يعدو كونه مشكلة سياسية بامتياز، وليست مذهبية، وفي العالم العربي شيعة يحق لهم العيش كمواطنين كاملي المواطنة، تمامًا مثل أقليات أخرى لا تعترف بالإسلام كديانة سماوية أصلاً، وأخرى عرقية وطائفية متنوعة.

لذا؛ وجب التأكيد على أن مصر دولة كبيرة قوية ومتماسكة، لها إرثها الحضاري والتاريخي، وفيها الأزهر الشريف مؤسسة عريقة ومؤثرة، ومن يعتقد أن إيران يمكنها أن تُشَيع مصر فهو واهم كل الوهم، والقادم سيؤكد له ذلك بشكل واضح ومحسوم.

وأؤكد لكم أن مصر لن تكون طوع إيران يومًا ما، في ظل حكم أي طرف، فمنطق ميزان القوى والتاريخ والسياسة لا يسمح بذلك، فلنكفّ عن إهانة أنفسنا وتصوير إيران كما لو كانت احتلالاً سيغزو مصر ويجبر أهلها على اعتناق دين جديد.

وفي الختام، علينا أن نؤمن بأن البشر لم يعودوا يغيرون دياناتهم عبر الغزو والاحتلال، بل يزدادون تمسكًا بها. وخلاصة الأمر، إن تغيير المذهب أو الدين قد بات عملاً فرديًا في الدنيا كلها، وليس هناك تغيير جماعي أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إيران, سياحة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد