استوقفتني تلك الجملة التي قد ذيعت على ألسنة الشباب وانتشرت في أروقة صفحات مواقع التواصل الاجتماعي «بينما أنت تلهو أحدهم يصنع مجدًا».

دققت في تلك الجملة فتيقنت من صحتها، وأننا بالفعل جُلنا لاه وتائه وفاقد للبوصله -إلا من أرشده الله-.

يتجلى للكفيف قبل المبصر، وللغافل قبل المدقق حال شباب الأمة الذي لا يُرثى له أو كما نقول بالعامية (لا يسر عدو ولا حبيب)، طاقات هائلة وعقول راجحة وأرواح صافية وأجساد صحيحة ولكنها -وللأسف- سارت في طريق رسمه لها أعداؤها بعدما أُفنيت تلك الطاقات في صراعات داخلية وأهداف فرعية ومكاسب وهمية، وبعدما خُرّبت تلك العقول بالغزو الفكري فتارةً يهدمون الثوابت وتارةً يُزيفون التاريخ وتارةً يُحقّرون العظماء وتارةً يُعظّمون الحقراء، وبعدما دُنّست الأرواح بنزع نور الإيمان منها شيئًا فشيئًا، وبعدما أُضعفت الأجساد بالمخدرات تارةً وبالأفلام الإباحية تارةً أخرى.

شباب في العشرين من عمرهم لا يكادون يحفظون أسماء عشرة من أصحاب رسولهم -صلى الله عليه وسلم -، أما إن سألت أحدهم عن ذاك المدعو «كريستيانو» أو هذا «ميسي» ستجدهم يكادون أن يعلموا مقاس حذائه -أعزكم الله-، أوليس هذا هو الهوان؟!

فتيات في العشرين من أعمارهن لا يكدن يعلمن أسماء زوجات رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ولئن سألتهن عن اسم هذا المسلسل أو ذاك لوجدتهن يتسابقن على الإجابة، أوليس هذا هو الهوان؟!

سألت نفسي للحظات هل هؤلاء مَن شُجّ رأس النبي من أجلهم وكُسِرت رُباعيته؟! هل هؤلاء مَن ضُرب الصديق حتى أغشى عليه من أجلهم؟!

هل هؤلاء مَن جهّز الحيي جيش العسرة من أجلهم؟ لم أجد في نفسي إجابات على تلك الأسئلة إلا أنني شعرت بكمّ حقارتنا ودناءتنا -سامحنا الله-.

ثم لاح في أفقي موقف صاحب البضع عشرة سنة، وهو يتسلم لواء الإسلام.. نعم هو أسامة بن زيد، ماذا لو كنت أنا أو هذا الذي أدمن المخدرات أو ذاك الذي اعتاد على سب الدين كما اعتاد رسول الله على الاستغفار في مكان أسامة أيُعطينا رسول الله لواء الدين؟! أتيقن أن الإجابة على هذا السؤال نوع من العبث وتضييع الوقت -غفر الله لنا-.

كتب الله علينا أن نعيش هذا الزمان الذي فُرّغ فيه الدين من محتواه وغدا الدين صلوات تُنقَر كنقر الديكة، وزكوات تُخرج على مضد، وحج يُحَج ليُقال الحاج -فلان-، رحم الله زمانًا كان الإسلام دينًا وليس شعائر.

إن المجد الحقيقي أخي إنما هو ذلك المجد الذي صنعه هذا الطفل الذي وُلد في بيت الأمراء، ولكن شاءت الأقدار أن يُختطف ثم يُصبح عبدًا يُباع ويُشترى وما فتّ ذلك في عضده وقاوم تلك الظروف ليُصبح أحد أعظم رجال التاريخ الإسلامي إنه سيف الدين قطز.

وهو ذلك المجد الذي صنعه هذا الطفل الفقير الذي كان يرتحل مع أمه من مشارق الأرض لمغاربها يجلس تحت أقدام السادة العلماء يطلب العلم، حتى أصبح إمامًا مجتهدًا وصاحب مذهب مُتبع في ربوع الأرض إنه الشافعي.

هو ذلك المجد يا أختاه الذي صنعته تلك المرأة التي وقفت تدافع عن رسول الله بنفسها، فكانت تتلقى الضربات على جسدها بدلاً منه -صلوات ربي عليه- في يوم أحد إنها نُسيبة بنت كعب «أم عمارة».

هذا هو المجد الحقيقي ليس مجد الأسطورة ولا مجد كريستيانو وميسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد