صباح الخير على بلدي وزيه مفيش

بلاد الشرطة والقاضي والخفافيش

صباح الورد النادي على الحرافيش

الشعب الساكت الراضي بكسرة عيش . بهاء جاهين

(ينسى صانع القرار في مصر أن تعسفه في استخدام قوته، وتجاوزه حدود تلك القوة بعيدًا عن الأُطر الدستورية والقانونية يخصم من شرعيته، وتزيد من كراهيته، وتُحرض على إزاحته)!

كنتُ أظن أني لن أعود للحديث عن الشأن المصري، وخصوصًا، وقد كتبت ـ عن الأحوال المصرية ـ عددًا من المقالات، شارحًا ومفصلًا الأوضاع فيها، إلا أنى وجدت أن الأوضاع الحالية في مصر «المحروسة»، والجو المأزوم فيها، يستحق همسة في أذن الرئيس الجنرال «عبد الفتاح السيسي»!

روابط المقالات الماضية:

( رابط الجزء الأول)

( رابط الجزء الثاني)

( رابط الجزء الثالث )

(رابط الجزء الرابع)

كُنت قد ذكرت في سلسلة المقالات السابقة الآتي:

  • إننا لم نزل في مرحلة الانتقال، من شرعية «الرجل الواحد» إلى الشرعية «الدستورية القانونية»، وذلك هو جُزء من الصراع الذي نراه الآن؛ فالرئيس الحالي لمصر، «عبد الفتاح السيسي»، وبطانته من حوله، يحاولون أن يجمدوا اللحظة الراهنة عند شرعية «الرجل الواحد» بما لها من «سُلطة مُطلقة» في اتخاذ القرارات، وبينما هناك قوى أخرى في المجتمع تريد الانتقال إلى المرحلة الأخرى بأقصى سرعة.
  • بناء على ذلك فإن الرئيس هو وحده المسئول، بعيدًا عن مؤسسات كارتونية، لم تستطع أن تُثبت نفسها بعد «مجلس الشعب»، أو «مجلس عليا الطلاق، ولو سمحت»، كما يطلق عليه المصريون.

    د/ (على عبد العال) رئيس مجلس الشعب المصري (مجلس «عليا الطلاق ولو سمحت» كما يطلق عليه المصريون تندرًا)


  • إن النظام المصري ـ منذ فترة ـ يتخبط في أزمات، ومشاكل، مثل «أزمة الدولار» و«الصراعات التي صارت علنية بين أجهزة الأمن، والتأمين للاستحواذ على النفوذ، والتأثير في صانع القرار»، و«وفك لغز مقتل الطالب الإيطالي (ريجينى) الذي سبب أزمة دبلوماسية مع إيطاليا»، و«تجاوزات الداخلية التي عادت إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير وأسوأ»، و«وارتفاع الأسعار الجنوني في البلد» و«تفشي الفساد بدرجة زادت عما قبلها، وسط تصريحات منقولة عن الرئيس الجنرال (بأن ذلك ليس هو الوقت المناسب لمحاربة الفساد)!» و«اتفاقية الجزر التي أنهت أي رابط بين تحالف 30 يونيو»، و«مظاهرات طلبة الثانوية العامة؛ احتجاجًا على تسريب الامتحانات»، و«أزمة سد النهضة مع أثيوبيا»، و«طفو العلاقات المصرية الإسرائيلية على السطح من جديد بزيارة وزير الخارجية لإسرائيل».
  • إن تلك المشاكل والأزمات تُسبب لذلك النظام «تآكُل» في الرضا الشعبي على المستوى الداخلي، «بالرغم من كل المُهدئات والمسكنات الإعلامية»، مما يُنذر بحدوث قلاقل داخلية.
  • و«تعرية» تتسبب في الخصم من شرعيته على المستوى الخارجي، وتلك التعرية تجعله عُرضه للابتزاز من الخارج قبل الداخل.
  • إن ذلك كله عائد لغياب مشروع وطني واضح المعالم، ومحدد القسمات له خطة معروفة، تتحرك على أساسها الدولة، وتنظم المؤسسات والأجهزة عملها على إيقاعاته!
    • أنه منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وحتى الموجة الثورية الثانية، في «30/6» حدثت عملية تبادل منفعة بين الجماهير والجيش.
    • إن الجماهير المصرية تعاملت مع الجنرال «السيسي» بمنطق: أنه الأمل لهذا اليوم الذي قد يغلب التشاؤم لذلك الأمس، وأنه قد يكون الداء الشافي لذلك المرض العاتي!

السيسي أثناء الانتخابات


  • إن الجنرال على الرغم من فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت «والتي لم يكن له فيها منافس حقيقي»، إلا أن شرعيته لم تزل هي شرعية «قبول وترقب»، ولم تتحول ـ بعد ـ إلى شرعية (عقد سياسي واجتماعي كامل).
  • أنه من أجل أن تتحول الشرعية، من شرعية (قبول وترقب)، إلى شرعية (عقد سياسي واجتماعي كامل)، يجب على الجنرال أن يكون لديه مشروع إصلاح اجتماعي حقيقي.
    • إن من يمنع وجود ذلك المشروع، تلك الطبقة التي اصطُلح على تسميتها (بالطبقة الرأسمالية)، بينما حقيقتها هي طبقة (النهب المنظم لمصر)، أو طلائع (الثورة المضادة)، والتي شبت، ونمت، وتكاثرت، في ظل بركات عصر الانفتاح، واتساع فردوسه الموعود! عندما أتى الرئيس المؤمن «السادات»، وحاول أن يؤسس لنفسه شرعية مختلفة عن شرعية سلفه الزعيم «جمال عبد الناصر»، ولم يكن مُمكنًا تأسيس الشرعية الجديدة بنفس الرجال، وفي ظل نفس الأفكار، فكان لابد من الانقلاب على الثوابت الأصيلة، حتى ولو بالقتل مع سبق الإصرار والترصد!

الرئيس المؤمن (السادات) مع (كيسنجر) في الشكل الجديد للسياسة الساداتية (سياسة عشرة بلدي!)


  • أن تلك الطبقة التي راكمت مئات الملايين من دماء ذلك الشعب المسكين! تعترض أية عملية إصلاح اجتماعي؛ لأنها تعرف جيدًا أن أي إصلاح في ذلك الملف سيخصم ـ حتمًا ـ من أرباحها، وسيفتح عليها أبواب الجحيم.

ومن يُريد مثالًا على قُدرة تلك الطبقة على مواجهة السلطة الحاكمة، ينظر إلى رجل الأعمال «صلاح دياب»، لقد تم إلقاء القبض عليه في قصره، وقيل إن الرجل متهم في أكثر من جريمة. وبدأت بعدها كل وسائل الاعلام المسموعة، والمرئية، والمقروءة، المملوكة له، ولغيره من (طلائع الثورة المضادة)، أو (طبقة رجال الأعمال) في فتح النار على النظام، والتحدث بحسرة عن حالة حقوق الإنسان في مصر! وعن سوء معاملة الداخلية للمصريين، وعن تجاوز القانون، ومخالفة الدستور! وبعدها تم غلق الملف من قبل السلطة والنظام السياسي!

رجل الأعمال (صلاح دياب) لحظة القبض عليه


  • إن من أحد أسباب عدم القدرة على التغيير، هي «صراعات مراكز القوى داخل المؤسسة الأمنية، مدنية كانت، أو عسكرية»، وتلك مشكلة، يبدو أن الرئيس الجنرال السيسي، غير قادر على حلها، على الرغم من مجيئه من قمة جهاز أمني كبير، «المخابرات الحربية»، وذلك أمر يبدو مُحيرًا مرة، وعصيًا على الفهم مرات.

  • إن الأمر الآخر لإعاقة التغيير في رأيي هو الفهم الخاطئ لاستخدام قوة الدولة، وتجاوز الدولة حدود تلك القوة؛ لتتصاعد وتصبح قوة غاشمة. وبذلك ينسى صانع القرار أن استخدام القوة ممكن؛ إذا التزم حدوده الدستورية والقانونية، ولكن عندما تتجاوز تلك القوة كل الأُطر الدستورية والقانونية، فإن الدولة تتنازل من رجل الشرطة الذي ينفذ القانون إلى بلطجي، لا يردعه رادع سوى قوة أكبر من هو أقوى!

وفي حقيقة الأمر ينسى صانع القرار في مصر أن تعسفه في استخدام تلك القوة، وتجاوزه حدود تلك القوة بعيدًا عن الأُطر الدستورية والقانونية «تخصم من شرعيته، وتزيد من كراهيته، وتُحرض على إزاحته»!

مشهد للتجاوزات الأمنية


مشهد أخر للتجاوزات الأمنية


  • وكانت النهاية أن قطاعًا عريضًا من الشعب المصري وقف أمام خيار متعسف مؤداه أن الذين يعترضون على الأمر الواقع الحالي بما فيها تلك الإجراءات القمعية ليس أمامهم، إلا أن يواجهوا المستقبل المظلم تحت حكم التطرف الديني بوجه وتقاسيم «الإخوان المسلمين».

وإذا لم يُبرئ هؤلاء المعترضون أنفسهم بقبول كل شيء، بما في ذلك الوسائل القمعية والقسرية، فإنهم بالاعتراض يكونون متواطئين، وإن لم يقصدوا أن يكونوا مع قوى الظلام وشياطينها الشريرة!

(2)

لم يكن الجنرال الرئيس بحاجة لمشكلة جديدة يصنعها لنفسه، كعادته ليضيفها إلى المشاكل، والمشكلات التي تحول بعضها بفعل الإدارة السيئة لذلك النظام إلى أزمات قائمة بالفعل أمامه. تلك الأزمات التي أصبحت تؤثرعلى توجهاته، وتشوش على نظراته، وتعيق تحركاته وتشل قدراته!

يفاجئ الجنرال الرئيس السيسي، وحكومته، الشعب المصري كل يوم، إما بأقوال الجنرال الرئيس المتسرعة، أو بأفعال حكومته الفاشلة المُهترئة؛ فهي أقوال غريبة بعض الوقت، وأفعال مُريبة بعض الوقت، وعجيبة طول الوقت!

وقد استدعى ذلك «تعجُب» و«استغراب» مناصرين ومؤيدين للجنرال الرئيس بلا تحفظ، قبل غضب وحنق معارضيه، الواصل حدًا كبيرًا؛ وذلك لأن الجنرال الرئيس، ونظامه، يواجهون ـ منذ فترة ـ مجموعة من المشكلات التي تجمعت وتداخلت وتشابكت؛ فأنتجت «كوكتيل» من الأزمات، سياسية (مثل أزمة الجُزر وتبعيتها في الشارع المصري)، واقتصادية (مثل أزمة الدولار، وغلاء الأسعار لأكثر من الضعف، وعلى رأسها زيادة أسعار الأدوية الماسة بحياة المواطن البسيط المطحون بين شقي الرحى)، وتفاعل ما هو «سياسي» مع ما هو «اقتصادي»، وأضيف إليه خواء على الساحة الثقافية؛ لينتجوا في النهاية «أزمة اجتماعية» طاحنة صارت تأخذ بخناق الجميع في مصر المحروسة! وساعد على تضخُم الأزمة، غياب أي يقين لدى الشعب في وجود رؤية واضحة المعالم محددة القسمات لدى أحدهم، (سواء في النظام الحاكم، أو في المعارضة) لحل تلك الأزمات والمشاكل.

ولم يكن الجنرال الرئيس بحاجه لمشكلة جديدة يصنعها لنفسه كعادته، ليضيفها إلى المشكلات التي تحول بعضها بفعل الإدارة السيئة لذلك النظام إلى أزمات قائمة بالفعل أمامه. تلك الأزمات التي أصبحت تؤثر على توجهاته وتشوش على نظراته وتعيق تحركاته وتشل قدراته!

الجنرال الرئيس يبدو مرهقًا من الأزمات التي تلاحقه من كل جانب


وفي البداية، دعونا نتفق بأن أسئلة أي نظام لنفسه، والتي يتحدد بناء على إجابته عنها توجهات هذا النظام، هي:

  • هذا النظام باسم مَن يتكلم؟
  • ولمصلحة مَن يحكُم؟

وإن تجاسرت وحاولت الإجابة عن السؤالين، أقُل:

  • بأن النظام الحالي للرئيس السيسي لم يزل ـ حتى هذه اللحظة ـ يتكلم باسم الأغلبية من الشعب، بالرغم من تناقص سريع، ومطرد في صفوف المؤيدين له».
  • وأما لمصلحة مَن يحكم؟ فتكفينا نظرة واحدة على السياسات الاقتصادية للدولة المطبقة حاليًا من قبل نظام الرئيس السيسي، حتى نعرف أن النظام يحكم لمصلحة الطبقة الغنية في هذا الوطن. وذلك يثبت بما لا يدع مجالًا للشك، ويقطع بيقين، لا يخالجه ظن، بأن سياسات اليوم هي امتدادات لسياسات الأمس، وأول أمس، وكأن شيئًا لم يتغير!

ودعونا ثانيًا أن نقول إنصافًا للحق وتعظيمًا للحقيقة بأن النظام الحالي قام ويقوم بأعمال تستحق الإعجاب وتتطلب تصفيقًا للتشجيع، وإعطاء علامات الإجادة للقائمين عليها، مثل عمليات البناء ورصف الطرق، وغيرها من عمليات الإنشاء في بعض الأماكن.

ودعونا ثالثًا نتفق على أن مشروعية السلطة، أية سلطة، شيئان:

  • أن تكون بالقانون.
  • ثم أن تكون أداة لإحداث تغيير يدفع خطوة إلى الأمام، سياسية أو اجتماعية أو ثقافية.

إن طلب السلطة بغير القانون إرهاب، بل يمكن أن يصفه البعض بالانقلاب!

ثم إن السلطة حين لا تُصبح أداة لإحداث التغيير كارثة، ذلك أنه حين تصبح السلطة هدفًا في حد ذاتها، فإن الأمر يتحول إلى سيطرة تصلب أصحابها إلى طريق مسدود، إن السلطة طاقة، فإذا لم تُستعمل الطاقة في هدف نافع، فإن تراكم المخزون منها ينتهي بتفجير نفسه، وهو قادر بذلك على تدمير غيره.

  • أن من حسن الحظ أن النظام الحالي يصله صوت النداء التاريخي (المشروع القومي والوطني لثورة يوليو المؤسس على القومية والعدالة الاجتماعية)، لكن الأمر الواقع يقف أمامها (متمثلًا في مجموعة من الأغنياء اللصوص، على حد وصف «ميشيل جوبير») وهكذا يبدو وكأن القرار لا يبرح مكانه أو لعله يدور حول نفسه؛ لأنه صراع بين النداء التاريخي الأصيل، وبين أحكام الواقع الراهن الصعب والعسير.

ولكن على النظام، وعلى رأسه الجنرال، أن يعرف أن الناس ليس في طاقتها «الصبر»، بأكثر مما صبرت، ولا تحمل «للظلم الاجتماعي» بأكثر مما تحملوا وأن ساعة الانفجار قادمة لا محالة ما لم يقم النظام بتصحيح مساره، وتعديل رؤاه، وضبط البوصلة على اتجاه الأغلبية من الشعب، وليس على مصالح حفنة من الأغنياء اللصوص.

المصريون لم يعودوا قادرين على الصبر، والظلم حولهم من كل جانب


  • أن واجب السلطة السياسية أن تذهب إلى الناس تقول لهم وتسمع منهم، تناقشهم وتحاورهم وتطرح عليهم رؤاها وتسمع منهم هواجسهم ومخاوفهم، وليس واجب السلطة، أن تفرض عليهم، بالقسر، وبقوة السلاح، آراءها، وبرنامجها، (سواء عن طريق الرصاصة القاتلة أو الكلمة المسمومة الناعمة تخرج من أعمدة صحف أو مذياع أو شاشات الفضائيات)، فذلك كله يضع شرعيتها، ومشروعيتها على المحك الذي يُشبه الوقوف على حد السكين!

  • ثم إن السلطة السياسية يجب أن تعرف أنها إذا أحست أو تصرفت بمنطق «الحق الإلهي» في الحكم – استغنت، ومن ثم انعزلت، لكنها إذا تواضعت سعت إلى الناس، ومن ثم فإنها تقودهم إلى حيث أمالهم ومناهم.

وأخيرًا فإن النظام السياسي عليه أن يفهم ويعي بإدراك عميق، واقتناع، لا يخالجه ثمة شك أن حل المشاكل والأزمات لا يتأتى عن طريق تجاهلها بالصمت، ولا عن طريق استخدام وسائل القهر والقسر وانتهاج أسلوب المنع واستخدام القبضة الأمنية لإسكات الأصوات في الحلوق وكسر الأقلام في الأيدي، ولا عن طريق الغطس في بحور المُنى، وإنما وضوح الرؤيا نصف الطريق إلى الحل، وأن العمل الواعي الجاد هو نصف الطريق الثاني.

وهذه هي الهمسة التي أردت قولها في أذن السيد الرئيس؛ علها تصل، وتنفع في إصلاح ما تهدم؛ حتى لا يجد كل الذين انتخبوا الرجل يقولون ما قاله شاعر العرب «ابن المعتز»

أملٌ رجوناه وبتنا نرقبهُ حتى إذا ما كان ضل مقصدهُ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد