ذات ليلة والناس نيام وعواصف بهيمية تتخبط في الخارج وعويلها يُحدث رعبًا في قلب من كان «الكذب».

كان «الصدق» مستلقيًا على فراشه يتبادل نظرات الأمان مع لهيب الشمعة التي بجواره على الطاولة والتي تتراقص يمنة ويسرة تنم عن اضطراب داخلي حولها أو في جوفها.

يتقلب الصدق في سريره وقد أفضى للشمعة ما يجول في خاطره من معاناة الزمان، ومر الأيام، وفي واقع الحال، كان الصدق بصدقه صدوقـًا لا يعلم كم كان الكذب هو تراقص لهيب الشمعة، مضت ساعتان وعتمة الليل تميل إلى وقت السحر. نهض الصدق من فراشه واتجه ناحية النافذة لكي يتنعم برؤية القمر والنجوم في وقت السحر.

حينما فتح النافذة، رأى الرياح هادئة تنم عن اطمئنان روحي، فلا صراخ ولا عويل أو صوت جبار في أنحاء الحي.

تساءل الصدق بعفوية بيضاء، «لماذا هدأت الرياح حينما فتحت النافذة؟ أتريد أن تمنحني هدوء التمعن في جمال القمر وبهائه وبريق النجوم في وجه السحر؟

ياه، يا لها من نعمة، حتى الرياح وفية في أصلها؟»

التفت الصدق نحو الشمعة وابتسم وتعجب في ذاته: «يا إلهي، ألهيب شمعة تضيء لي أرجاء الغرفة وتمنحني سعادة مشرقة حينما أجلس إليها لأحكي عن جمال الحياة وسعادتها، وتبادلني رقصات لهيبها الجميلة».

التفت الصدق إلى النافذة مرة أخرى وقال: «ياه حتى الرياح هدأت غبارها بتواضعها ووفائها لتمنحني متعة النظر إلى بريق اللآلئ في سماء الليل، آه كم هذا الكون روض مزهر».

ظل الصدق يتأمل ويتأمل في ضياء الليل وبريقه حتى غدا السحر في منتصفه، وبدأت نسمات الليل الباردة تدغدغ الصدق كي يرتجف ويأوي إلى الدفء في فراش الأمان.

تنحى الصدق وأغلق جدار النافذة لكن بغير إحكام، تاركـًا هوة صغيرة كحجم دخول حشرة ما بين النافذة والجدار.

اقترب من الشمعة وقد رأى خفقات لهيبها تتحرك اضطرابًا أكثر فأكثر حتى كادت الشمعة كلها أن تسقط من لهيبها الشديد. تردد الصدق ما بين إطفاء لهيب الشمعة حتى يأوي إلى فراشه وما بين تركها مشتعلة، وقد ظن أن تمايلها طربًا وليس اضطرابًا.

لقد أوى إلى فراشه وأسدل الستار على النافذة، وقد منح الأمان لصديقته الشمعة أن تمنحه الدفء الذي اعتاد عليه كل ليلة، في خارج النافذة بدأ دوي الرياح يغرق في دوامته من جديد وصوته يحدث قلقـًا مستجوبًا لطلب لهيب الشمعة وهي تتحرك بشحنات لهبها غلًا وحقدًا؛ مخبرة أن صاحبها قد استغرق في نومه ونسي فتحة صغيرة في نافذة الشباك لم يغلقها، حينها اشتدت الرياح واقتربت نحو النافذة لتزيح الستار وتجعله يستجيب لمطالبها غير الحميدة، قائلًا:

«أيتها الستارة أود أن تزيحي نفسك قليلًا عن هذه الفوهة حتى أرسل نسائم ليلية دافئة إلى صديقي النائم على سريره».

وقد استجابت الستارة لهذه المهمة، وكلما اقتربت الرياح أكثر، تراجعت الستارة للوراء أكثر فأكثر، ولهيب الشمعة يتأثر بتلك الرياح ويتراقص أيضًا أكثر فأكثر حتى تصادم ذيل الستارة مع لهيب الشمعة واشتعلت الستارة قليلًا، قليلًا، وهبّ الحريق في أرجاء الغرفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد