دخلت غرفتي مساءً وأنا متعب تعبًا جميلًا، ولسان حالي يقول: كان اليوم يومًا ناجحًا؛ فلقد تم تكريمي في مواضع عدة، وانهالت علي المدائح والثناءات من كل صوب. وضعت عني ما كان في يدي، وهو محفظة ملئت نجاحا، والنجاح قد أضحى في أعراف القرن الواحد والعشرين هو المدح، أي الشهادات والجوائز والسبق والمشاريع والشهرة، ثم هرعت إلى صلواتي؛ أستدرك منها ما فاتني، وفي مخيلتي صورة إحداهن، وكلي شوق للِقائها.

 فما أن أُسلِّم سلام التحلل من صلاةٍ حتى أتفقد بناظري مكانها المقابل لي، ثم أكبر تكبيرة الإحرام لصلاة تليها. إنها وسادتي التي اشتاق إليها كل مساء، لكن سرعان ما أمقتها وأوبخها ما أن أفيق متأخرًا.

 ووسادتي على نعومتها وليونتها فإنها فٙضّة وغير لبقة ألبتّة، فهي صريحة جدًا، ولا تنمق لي الكلام أبدًا، بيد أنني ومع ذلك أشتاق إليها، فحتى لو هٙجٙرتُها على مضض في ليال الامتحانات أو العمل، فإنني أعود إليها طواعًا أو كرهًا، مرغمًا صاغرًا والشوق يقتلني.

كالعادة أجاورها أحاورها، أسامرها، وإن سمحْتُ لها تحاسبني. وأخال نفسي محظوظًا؛ فكثيرون هم من ليسوا على صداقة مع الوسادة ولا يحدثونها إلا نادرًا، فما أن يضعوا وجناتهم عليها حتى يغطوا في سبات مقيت. ويقال أن جلهم من أصحاب المعالي ذويي ربطات العنق.

وضعت خدي الأيمن وأُذُني عليها، وأنا اتوجس خيفة من عتابها وملامها لي الذي طالما اعتادت الهمس به في أذني، فأحيانًا يطول حديثنا طوال الليل فيحرمني غفوة النوم، ولكنني اليوم مطروبًا وفرِحًا، و لا أريد منها أن تفسد علي نشوتي.

فباغتها بقولي: الكل مدحني اليوم فلا تزيدي في عتابي الليلة، فأنا أظنني قد أديتُ واجباتي اليوم ولم أنقص بشيء.

قالت: إنك تعلم أن السكوت سيقتلني. أو تريد فعلًا أن تجني على نفسك وتحملني على السكوت؟

قلت: أبدًا، فأنت فعلًا مرآتي، التي تبصرني بحقيقتي، فها أنا الآن أسمع نبضات قلبي من خلالك، وليس بيننا ما يمكن إخفاؤه، فأنت التي تعلمين كثيرًا مما أُسرُ، ودارية بعللي وأسقامي؛ إذ طالما تبيتين الليل تسمتعين لأنيني وآهاتي، وأنت التي تنهال عليك لكماتي حين الندم، وأحضاني عند الفرح، غير أنني قد سمعت استحسانًا ومدحًا من كبار العارفين اليوم وأتوقع منك ثناءً أيضًا.

فردت قائلة: إذن فارْضٙ بمُرّ الحق! لقد قطع المادح عنقك ولو صدّقتٙ مدحه لك ما أفحلتٙ أبدًا. لقد رأى عملك، فهل رأى أيضًا نيّتك؟ ثم إنّ مدحٙه لنتيجة جزء من عملك لا يعني بالضرورة مدْح كل شخصك، فهل لازمٙك في خلواتك ورأى ما تخفيه عن أعين الناس؟ وهل علم ما إن كانت نجاحاتك من خالص عملك أم بعناية من آخرين، أم سرقة لنجاحهم؟

إن المدح مجاني، ولا يحمل قائله أي التزام أو مسؤولية، فهل ترى يمدحك أحد لو كان ذلك مدفوعًا؟

ثم إن هذا مدحٌ من المخلوق، فماذا عن الخالق السميع البصير؟ أوٙ يرضيه تأخيرك للصلوات؟ وهل درى بتثاقلك عن صلاة الجماعة؟ أوقصدت وجهه من وراء عملك؟

إن نجاحك كان بتوفيق من الله، وليس بعلم عندك، أظنك أذكى من أن تغفل عن هذا، فكيف تفخر بشيء لم يكن لك الباع الأكبر فيه؟

إن رضاك عن نفسك ـ و إن أبيت ـ فيه شيء من الركون والاطمئنان، وغالبا ما يشوبه نوع من القناعة التي تبعث على الراحة والكف عن البذل.

حسبك حسبك! إن ما تقولينه صواب، فقد كاد يورثني المدح عُجبًا قاتلًا، ولكن لطفًا، هلا كففتِ عني! فلقد كوتني هذه الكلمات واصطليت بنارها، وعزمتُ أن أصون هذا غدًا.

قالت: إنك تبدو واثقًا، وهل ضمنت أنك ستعيش حتى الصباح؟ فكم من واحد همس آخر كلماته إلى وسادة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد