على مدى عقود طويلة، ارتبطت أفراح الناس وحفلاتهم وطقوسهم الاجتماعية بمحصول القطن، وقتها كان يتم تحديد مراسم الزفاف والخطوبة والحفلات… إلخ، بعد جني المحصول وبيعه، إذ كانت الزراعة والتجارة الرائدة وقتها لقطاع كبير من الفلاحيين وغير الفلاحيين الذين يعتمدون على صناعة الغزل والنسيج والحلج، وغيرها.

كتب كبار الشعراء قصائد جميلة عن محصول القطن، منهم الشاعر الراحل صلاح جاهين، قصيدة «القطن» التي قال فيها: «يا معجبانى يا أبيض يا معجباني، يا قطن يا اللي مبيض وش الغيطاني، ياقطن يا اللي مبيض وش فلاحك».

وغنت أم كلثوم وغيرها من المطربين أغاني جميلة عن هذا المحصول، إذ قالت:

القطن فتح هنا البال
والرزق جه وصفالنا البال
اجمعوا خيره مالناش غيره
يغني البلد ويهني الحال
أبيض منور على عوده
جل اللي بيديه ويعيده
ويغير الحال من حال

وقد فطن محمد علي إلى أهمية هذا المحصول، حيث توسع في زراعته بعدما تولى حكم مصر في عام 1805، ومثل 75 في المائة من إجمالي الناتج الزراعي الذي بدوره اعتمدت عليه صناعات كثيرة.

قطاع الزراعة مثله مثل قطاعات عديدة تعاني من مشكلات جسام، وتحتاج إلى دعم ورعاية أكبر من الدولة، بدلًا من التفكير في إنشاء «الكومباوندات» و«المولات» وغيرها من الوسائل التي تستهلك كل ما تبقى من نقود في جيوب المصريين. بالـتأكيد لا أطالب بإلغاء «الكومباوندات» أو «المولات»، لكن على الدولة أن تفكر في دعم الفلاح؛ لأنه الركيزة الأساسية لقطار التنمية.

في ثمانيات وتسعينات القرن الماضي، كانت تُطبق الدورة الزراعية، وتقدم الدولة رعاية كبيرة لهذا المحصول، فقد وصلت الأراضي المنزرعة إلى 1.25 مليون فدان من القطن ذي الجودة والإنتاجية العالية. بدأ الانخفاض في المساحة المزروعة القطن في عام 2000، إذ وصلت إلى 655 ألف فدان، 280 ألف في عام 2009، والآن لا تتعدى 200 ألف فدان.

طبقًا لسياسة الفساد التي تمت في تلك الفترة، تم استبدال بذور سيئة، خلّفت العديد من المشكلات منها قلة الإنتاجية، صعوبة «تفتيح اللوزة»، بالإضافة إلى المشكلات التي تعلقت بالمبيدات الزراعية التي لم تكافح الآفات على نحو جيد، وغيرها.

لم يعد الفلاحون يقدمون على زراعة القطن الذي يبدأ موسم زراعته في هذه الفترة، نظرًا للمشكلات التي تتعلق به، وقلة سعره إذا ما قورنت بحجم المتاعب المحيطة به. ورغم أني أعرف الإجابة مسبقًا، لكنني سألت عم محمد الرجل الخمسيني، الذي كسا الشيب ملامح جسده، عن عدم زراعة القطن، كانت إجابته واضحة وشافية:

«ولماذا أزرعه طالما لا أجني منه شيئًا سوى التعب والجهد والمعاناة، منذ فترة، قمت بزراعته، لكن في نهاية الموسم، كدت أن أحرق المحصول على عيدانه، لأنه لم يوفر لي مكسبًا، كانت الأيدي العاملة مكلفة والإنتاج قليلًا، لذلك لم يحقق لي ربحًا».

هذا لسان حال آلاف الفلاحين الذين هجروا هذا المحصول للأبد، بسبب سياسة الدولة الظالمة، والفاشلة التي تضع هؤلاء الفلاحين في خط النيران وتدير لهم ظهرها، ونتيجة لذلك قلت مساحة القطن في الأراضي، وبالتالي انهارت صناعة الغزل والنسيج وأصبحت في خطر.

هذه المشكلة متشابكة، وترتبط بقطاع عريض من الشعب، فهناك ما يقرب من مليون عامل يتكسبون من هذه الصناعة، هم الآن يواجهون أزمات كبيرة نظرًا للركود الذي طال هذا القطاع. دائمًا ما نسمع عن مظاهرات واحتجاجات ينظمها عمال الغزل والنسيج في مدينة المحلة الكبرى، ومدن أخرى مختلفة، نتيجة الظروف الصعبة التي يمرون بها، وتأخر المرتبات والحوافز.

أين دور الدولة وأجهزتها من هذه المشكلة التي تتفاقم وتتعقد يومًا بعد يوم؟

غياب دعم الدولة للفلاح الذي أقسم بالأيمان المغلظة أنه لن يزرع القطن مرة أخرى، أثر في الإنتاج؛ وبالتالي على ورش ومصانع الغزل التي أصبحت حالتها سيئة جدًّا.

غياب الدعم الحكومي أدى إلى تدهور الصناعة وعدم قدرة العمال على الإنتاج والتنافسية، الأمر الذي أدى إلى إغلاق ما يقرب من 70 في المائة من المصانع التي تصل إلى 1200 مصنع.

يمكن حل المشكلة عن طريق تشجيع الفلاح على زراعة مساحات كبيرة من القطن، تتجاوز 500 ألف فدان حتى تسد متطلبات الورش والمصانع وتصدير الفائض، ويكون مصدرًا لجلب العملة الصعبة، وتنتعش الصناعة من جديد، ويقلل الاستيراد في هذا القطاع.

حسب الأرقام المعلنة، تستورد الدولة بحوالي 1.2 مليار دولار سنويًّا القطن من متوسط وقصير التيلة.

فهل ستتبع الدولة سياسة رشيدة لدعم الفلاح من أجل زيادة القطن، وتوفير مليارات الدولارات في الاستيراد؟ خصوصًا أن هناك أزمة دولار حقيقية تعاني منها البلاد.

صناعة الغزل والنسيج من الصناعات الحيوية في مصر، وكانت لها سمعة جيدة في الأسواق المحلية والإقليمية؛ لذا الدولة مطالبة وبشكل فوري في البدء في حل كل الأزمات التي تتعرض لها هذه الصناعة.

الأمر لا يبدو مستحيلًا لمعالجة كل هذه المشكلات، إذا كان أصحاب القرار يهمهم الفلاح والصناعات الوطنية، وذلك لإنقاذ البلاد من أزمات محققة يمكن أن تتعاظم بمضي الأيام، إذا لم تُحل الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد