الإنسان الأبيض الأوروبي يتعامل بعنصرية أحيانا مع بقية البشر وهو يرى نفسه غالبا أرقى من غيره من البشر وأن من حقه أن يستفيد من ثروات غيره من الأجناس، بل وينهبها كما تفعل فرنسا في أفريقيا اليوم. (1)

ولا يرى في الأرض غيره حاملًا الحضارة، لأنه لا يرى حضارة إلا حضارة الغرب ولا يرى قيما إلا قيم الغرب، ولهذا فهو يسعى لفرض حضارته على كل البشر ولفرض قيمه على كل البشر حتى حين تتعارض مع قيم حضارات أخرى.

فكولومبس الإسباني في نظر الغرب هو أول من اكتشف الأمريكتين مع أن القارتين كانتا حافلتين بالملايين من البشر وبحضارات عظيمة وهاجر إليها الإنسان الأبيض فدمر حضاراتها وأباد سكانها ونهب ذهبها وثرواتها.

وسبق كولومبس الفايكنج وهم من سكان شمال أوروبا إلى أمريكا الشمالية، كما أن مسلمي الأندلس وشمال أفريقيا سبقوا كولومبس في اكتشاف أمريكا والتعامل معها، بل ونشر الإسلام بين بعض من تعاملوا معهم. (2)

ولأن هجرة الإسبان كانت في أعقاب إبادة مسلمي الأندلس فتم محو كل أثر إسلامي في أمريكا . والتاريخ الغربي الذي تم فرضه على العالم كله أن كولومبس هو أول من اكتشف الأمريكتين.

ويرى الإنجليز أنهم هم من أول من اكتشف أستراليا مع أنها كانت مسكونة بالبشر، وكانوا يتعاملون مع جنوب شرق آسيا فاستولت عليها بريطانيا وأبادت تقريبًا سكانها.

وكانت هناك وما زالت تفرقة عنصرية ضد سكانها الأصليين، حتى أنهم وفي القرن العشرين وفي قمة الحضارة الغربية كانوا ينزعون الأطفال من أسرهم ويربونهم بعيدًا عن أسرهم بزعم العمل على تحضرهم وهم يريدون إذابة أو إبادة من بقي من السكان الأصليين الأستراليين.

وذهبت فرنسا لأفريقيا فأبادت شعوبًا ونهبت وما زالت تنهب ثروات أفريقيا، ويكفي مثلا أن نعلم أن فرنسا أبادت عدة ملايين في الجزائر وحدها وهو ما يعادل نصف سكانها. (1)

وكانت بلجيكا تأخذ الأطفال السود لتعرضهم في أقفاص يتفرج عليها الأطفال البيض.

وحاربت إنجلترا وفرنسا الصين لتفرض عليها تجارة الأفيون وليظل الشعب الصيني مغيبًا وتنهب أوروبا ثروة الصين من الفضة مقابل الأفيون. (3)

وحتى في القرن الواحد والعشرين قتلت أمريكا حوالي مليون مسلم في أفغانستان وأصابت مثلهم بإعاقات دائمة وقتلت مليون عراقي أيضًا وأصابت مثلهم… وبالطبع لم تعتذر ولن تعتذر فالقتلى مسلمين!

المرة الوحيدة التي اعتذرت فيها أوروبا وما زالت تعتذر حتى اليوم كانت عن جرائم هتلر بحق اليهود، وكان اعتذار أوروبا بتهجير شعب فلسطين من أرضه التاريخية ليستوطن اليهود أرضه تكفيرا عن جريمة لم يرتكبها الفلسطينيون، بل ارتكبتها دولة تنتمي للحضارة الغربية. (3)

وقام اليهود الأوروبيون بجرائم بحق الفلسطينيين أشد من جرائم هتلر بحق اليهود، ولكن قيام دولة لليهود في فلسطين قدم للأوروبيين خدمة كبيرة لأنهم تخلصوا من معظم السكان اليهود بها، وهو ما كانت تسعى إليه منذ قرون.

ولهذا أغدقت أوروبا وأمريكا الأموال على إسرائيل كتعويضات عن اضطهاد هتلر ومساعدات بصورة لم تتلقها أي دولة في العالم وأعلنوا أنهم ضامنين لأمنها كيلا يعود اليهود مرة أخرى لأوروبا. (4)

واعتذرت أوروبا مرارًا لليهود وجرمت من ينكر الهولوكوست أو حتى يشكك في أعداد الضحايا اليهود، حتى أن الفاتيكان اعتذر لليهود عن اضطهادهم واتهامهم بقتل المسيح، مع أن ذلك جزء من عقيدة المسيحيين. (5)

ولكن فرنسا لم تعتذر للجزائر مثلا – وما زالت جماجمهم التي تم جزها تعرض في متحف الإنسان بباريس – ولم تقدم تعويضات لملايين القتلى الجزائريين ولا تعويضات عن نهب ثروات الجزائر.

 كما لم تعتذر عن ملايين الأفارقة السود ولا عن ثروات أفريقيا التي ما زالت فرنسا تنهبها ولا حتى مجرد اعتذار ولم يخطر ذلك ببالهم، ربما لأنهم لا يشعرون أنهم ارتكبوا شيئًا خاطئًا.

ولم تقدم إنجلترا وإسبانيا والبرتغال اعتذارا لسكان أمريكا الأصليين عن إبادة معظم أسلافهم ولا للأفارقة عن ملايين الشباب الذي تم خطفهم من أفريقيا ليباعوا عبيدًا في أمريكا.

ولم تعتذر إسبانيا ولا الكنيسة الكاثوليكية للمسلمين في الأندلس عن حملات الإبادة ومحاكم التفتيش والتعذيب والقتل والتهجير ضد مسلمي إسبانيا.

ولم تعتذر أوروبا والكنيسة الكاثوليكية للمسلمين عن الحملات الصليبية والمجازر التي ارتكبها الصيبيون حين غزوا الشام ومصر وتركيا.

ويكفي المقارنة بين استيلاء الصليبيين على بيت المقدس والمسجد الأقصى والمذابح التي تلت استيلائهم على المسجد الأقصى الذي حولوه لكنيسة وبين استرداد صلاح الدين لبيت المقدس والمسجد الأقصى ولم يقم بأي مذابح انتقامية ضد الصليبيين.

وفي العلوم الإنسانية، فالفلسفة تعني فلسفة اليونان ويتجاهلون الفلسفة المصرية والصينية والهندية، وفي العلوم يتناسون غالبا التجارب الإنسانية التي سبقت عصر النهضة الأوروبي.

حتى في العصور المظلمة كما يطلق عليها الأوروبيون، وكأن الأرض كلها كانت مظلمة ولكن أوروبا وحدها كانت تعيش عصورا مظلمة بالفعل، لدرجة أنهم كانوا أحيانًا يأكلون لحوم البشر في الوقت الذي كانت الحضارة بازغة في العالم الإسلامي وفي الصين والهند وحضارات المايا والإزتك وغيرها في الأمريكتين.

وما زال الأوروبيون ينظرون للبشرية على أنها أوروبا ولمبادئ القيم الأوروبية على أنها المبادئ والقيم العالمية التي يجب أن تسود العالم كله.

 حتى الشذوذ الجنسي أو المثلية الجنسية وكان مرفوضا قبل ذلك في أوروبا فلما تغير موقفهم وبدأوا يقبلونه في بلادهم يريدون فرضه على كل الحضارات، وخاصة الحضارة الإسلامية باعتباره دليلًا على الرقي والتحضر.

وقيم الحرية والليبرالية في السياسة إن أنتجت نظما سياسية حليفة وتابعة لأوروبا فهي نظم حرة تدعمها أوروبا، حتى وإن ارتكبت تلك النطم مجازر بحق شعوبها.

وإن كانت هناك نظم ديمقراطية ومتمسكة بالحرية ولكنها أرادت الخلاص من الهيمنة الأوروبية والتبعية لها وتمسكت بحضارتها الإقليمية وقيمها، فهي نظم مارقة ويجب التصدي لها وفرض العقوبات عليها ودعم الانقلابات العسكرية عليها.

فالقيم الإنسانية في نظر الأوروبيين هي القيم الأوربية البيضاء المستمدة من جذورهم اليونانية اليهودية المسيحية، ويريدون فرضها على غيرهم من الحضارات ذات القيم التي قد تختلف عن قيم الغرب وخاصة قيم الحضارات الإسلامية والصينية والهندية واليابانية والأفريقية.

فما رآه الغرب والإنسان الأبيض حسنا فهو الحسن المطلق وما رآه غيرهم ما دام يخالف قيمهم فهو الشر المطلق.

ولكن حتى الحضارات لها دورة حياة، فكما بدأت الحضارات الإنسانية في أودية الأنهار في مصر والعراق والهند والصين، فإن شمس الحضارة بدأت في الانتقال شرقًا إلى آسيا، حيث بدأت قوى بازغة حضاريًا مثل الصين واليابان وكوريا وماليزيا وتايوان وغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حضارة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد