ذاك المخلوق من طين (ماء وتراب). ونُفخ فيه من روح الله سبحانه وتعالى. ولكن من أي ماء ومن أي تراب أنتم؟

تتعدد أنواع التراب من حيث صفاته، ألوانه، طبيعته، متانته، رائحته وتركيبته وأشياء أخرى لا يعلمها الكثير منا. والماء أهو نقي صاف أم عكر منتن. عذب، حلو أم مالح؟

عاش في الجنة ما عاش. ولم يمكث فيها طويلًا. لم يطع مولاه. واتبع الهوى وأطاع عدوه اللدود فأخرجه من الجنة، ثم نزل إلى الأرض. لأنه عندما أراد أن يقضي حاجته في الجنة لم يستطع أن يلوثها، ولم يسمح له بذلك. فأنزل به إلى الأرض كي تكون له المكان الذي يقضي فيه أشياءه القذرة.

وما إن نزل إلى الأرض حتى بدأت أطماعه وسيئاته تظهر عليه وتلوث المكان، فبدأ بقتل أخيه، كم أنت حسود وطاغية أيها الإنسان إن ضللت!  وماذا فعل وكيف عاقب نفسه على قتل أخيه؟ ندم كثيرًا، ولم يعلم أنه سن سُنة سيئة لبني جنسه، سنة القتل، سنة الظلم، سنة الاستعلاء، سنة الأنا النتنة.

جميع المخلوقات تقتل لتأكل ولتحيا، ونادرًا ما تقتل بني جنسها، ولكن أنت أيها الإنسان ما غاياتك من القتل، واحدة فقط للأكل، وألف ألف غاية لإشباع رغباتك التي لا تشبع ولا تنتهي.

القليل من المخلوقات من يخزن الطعام، لفطرة فطرها الله عليها، وأنت أيها الإنسان لماذا تخزن الطعام؟ بل أنت تحتكره لتزيد مالك وأملاكك، ولكي تكنز الذهب والفضة، ومن أجل ذلك وبه تضيق على بني جنسك معيشتهم، وتجعلهم بمثابة عبيد لك من دون الله، لإرضاء شهوة الامتلاك.

في عالم الحيوان والطير لا بد من قائدٍ يقود القطيع أو السرب لينظم حياتهم ويعبر بهم إلى بر الأمان، في عالم الإنسان، القيادة مطمح ومطمع لتحقيق الغايات، لخلق النزاعات، لتحقيق الأجندات وللوصول إلى الملذات الجسدية والنفسية والجنسية والروحية، يقودون بني جنسهم إلى الهلاك وإلى الهاوية. وبستمتعون بهلاكهم، ويفرحون بتعذيبهم، والأشد غرابة في ذلك ومن ذلك، من يتبعهم ويطيعهم ويلبي رغباتهم بكل رضا وسعادة.

أيها الأتباع سحقًا لكم، انتفضوا لأجل كرامتكم الممرغة بالتراب، نعم لسان حالهم يقول لا داع للانتفاض ولا للانتفاضة، فهذا التراب على الجبين هو أصلنا الدنيء، اعتاد بعضنا أن يسجد للسادة وللقادة، ويكونوا لهم بمثابة عبيد من دون الله. نعم، إن بعضهم لا يخشون الله لأنهم لا يرونه ولا يشعرون به ولا بعظمته. عميت بصائرهم. فضلوا وأضلوا.

شريعة الغاب، وقانون الغاب ليس هو الأسوأ في الوجود، الأسوأ منه هو شريعة بعض الخلق من البشر أصحاب السوء والشر والحقد والحسد والاحتيال والاحتلال والاستعمار.. أصحاب شريعة القتل وهتك الأعراض وتفريق الأحباب وسرقة الحقوق وتغيير الحقائق والكيل بألف مكيال.

نعم العدل موجود بين كل خلق الله من الطيور والحيوانات، فهي تعيش على الفطرة التي فطرها الله عليها، لقد أنزل الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل لبني البشر وأنزل لهم الكتب السماوية التي تنظم حياتهم به. لتحقيق العدل، فهل حققوا العدل؟ لقد غيروا وأولوا كلام الله، ولم يسلم منهم نبي ولا رسول، ولم يسلم منهم عباد الله ولا خلق الله، بل حاربوا الله في ملكة وتعالوا على خالقهم، ووصفوه بأوصاف لا تليق بذاته العظيمة.

أيها الإنسان العاق الظالم لنفسه: لم تطبق العدل ولم تتعلم الأخلاق حتى مع من خلقك، وللعلم فإن إحقاق الحق والعدل دائمًا يحتاج لمؤمن يؤمن بالله وحده، ويحفظ كلامه العظيم، لأن ذلك يحتاج إلى إنسان ذي فطرة سليمة. كما فطرها الله عز وجل.

وليس شرطًا أن يكون صاحب العلم العظيم هو الأكثر تطبيقًا للحق والعدل، فكم من عالم علم علوم الديانات السماوية وعلوم الدنيا، ولم يطبق منها إلا ما يمليه عليه سيده الذي تعالى على ربه، بل غير وبدل كلام الحق بما تشتهيه نفوس السادة الشياطين البشرية التي تعدت شياطين الجن بشرِّها وحقدها وجبروتها وطغيانها.

لقد أبدع الخالق العظيم سبحانه وتعالى، هذا خلق الله وهذه أسرار خلقه تتكشف بومًا بعد يوم، لتشهد الدنيا على وجود ووحدانية الخالق، فآمن أهل الفطرة السليمة لما عرفوا من الحق.

لكن الذين غضب الله عليهم وأضلهم. فسينقلبوا وأي منقلب سينقلبون. لن تنفعكم أموالكم ولا أهلكم ولا جنودكم ولا عتادكم ولا جمعكم التي سلطتموها على عباد الله الذين ما كان ذنبهم إلا أن قالوا ربنا الله.

«إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» نعم، البشر ربما لم يخلق الله خلقًا مثلهم. إذا علا أحدهم عانق الثريا بل وصل لأعلى من درجات الملائكة المقربين، وإذا دنا أحدهم بلغ دناءة لم يدن أحد من خلق الله لأسوأ منها. فاعتبروا يا أولي الألباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد