لا تصالحْ.. ولو منحوك الذهب..

أترى حِيْن أفقأ عينيك.. ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى؟.. هي أشياء لا تشترى..

لا تصالح على الدم حتى بدم.. لا تصالح.. ولو قيل رأس برأس.. أكل الرؤوس سواءٌ؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟.. أعيناه عينا أخيك؟

سيقولون.. جئناك كي تحقن الدم.. جئناك كن يا أمير الحكم..

سيقولون ها نحن أبناء عم.. قل لهم إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك..

لا تصالح.. ولو توَّجوك بتاج الإمارة..

كيف تخطو على جثة ابن أبيك؟.. وكيف تصير المليك.. على أوجه البهجة المستعارة..

كيف تنظر في يد من صافحوك.. فلا تبصر الدم.. في كل كف..

إن سهمًا أتاني من الخلف.. سوف يجيئك من ألف خلف..

لا تصالح.. ولو ناشدتك القبيلة.. سيقولون ها أنت تطلب ثأرًا يطول.. فخذ الآن ما تستطيع.. قليلًا من الحق.. إنه ليس ثأرك وحدك.. لكنه ثأر جيلٍ فجيل..

وغدًا.. سوف يولد من يلبس الدرع كاملة.. يطلب الثأر.. يستولد الحق.. من أضلع المستحيل..

لا تصالح.. ولو قيل إن التصالح حيلة..

إنه الثأرُ.. تبهتُ شعلته في الضلوع.. إذا ما توالت عليها الفصول.. ثم تبقى يد العار مرسومة بأصابعها الخمس.. فوق الجباه الذليلة..

«أمل دنقل – أبيات من قصيدة لا تصالح»

 

مرت أكثر من أربعة عقود منذ كتابة تلك القصيدة وحتى العام الحالي، وما حدث خلال تلك الفترة كان قادرًا على تحول تفكير المصريين وحديثهم عن الأعداء. ففي عام ١٩٧٨ وفي مرحلة التوقيع على اتفاقية السلام لم تكن لتجد مصريًّا واحدًا لا يعلم عدوه، فقد كان الشعب المصري قادة ومواطنين وإن اختلفوا على الطريقة الواجب التعامل بها مع ذلك العدو «سواء بالحرب أو باللا حرب أو بالسلام» إلا أنهم جميعًا كانوا على يقين بأن عدو مصر والمصريين والعرب هو الكيان الصهيوني.

 

وبعد معاهدة السلام بين مصر وما يسمى بإسرائيل، كانت العلاقات بين البلدين مجمدة في أغلب الفترات، ولم تكن العلاقات تتعدى وجود السفراء والمراسلات الرسمية وبعض العلاقات الاقتصادية الخفية والتي لم تكن لتظهر بشكل علني للعامة، حتى أشعلت المواقف الشعبية من تنديد وشجب ووصلت في بعض الأوقات للاتهام بالخيانة لكل من تعامل بشكل مباشر أو غير مباشر في تلك الاتفاقات، بل وكانت تلك الاتفاقات من أسباب قيام ثورة ٢٥ يناير على رموز النظام الحاكم حينها.

 

ولكن لم يكن هناك مصري يتخيل أن يصل التطبيع مع هذا الكيان في يوم من الأيام إلى حد دعوة نائب برلماني مصري للسفير الإسرائيلي في منزله على العشاء، بل ويتم تصوير اللقاء بشكل علني ويعلن ذلك النائب أنه قام بتلك المقابلة للتفاوض لحل أزمات مصر سواء أزمة سد النهضة أو المساهمة في النهوض بالدولة المصرية. ولم يكتفِ ذلك الشخص بذلك بل أعلن  استعداده لزيارة الكنيست الإسرائيلي إن تمت دعوته بشكل رسمي. وما يجعل المتابع يستعجب مما حدث هي الطريقة التي يتحدث بها ذلك النائب عن الكيان الصهيوني واستخدامه لألفاظ التبجيل والتقدير لكل ما ينتمي لذلك الكيان؛ إنه التطبيع بل أكثر من ذلك.

 

الهام في الأمر ليس ما فعله ذلك النائب ولا ما سمعناه من أفواه لا تنطق إلا بالباطل، فيكفيهم أحكام الشعب المصري إن أفلتوا من أحكام القضاء، وشخصيًا أستبعد ذلك الأمر خاصة وأن منهم من وضع رأسه أسفل المقصلة ليكون هو «قاتل نفسه بنفسه» خاصة وأن منهم من كان يُنتظر الإطاحة به لأسباب سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية، أو لكونه أصبح عبئًا على المجتمع ولذلك أظنه سينال ما يستحق في القريب العاجل.

 

ولكن الأهم الآن هو ألا ننسى من العدو الحقيقي في خِضم ما مرت به البلاد من أحداث، لأن المجتمع المصري والعربي الآن في حالة انعدام رؤية جعلت المجتمعات العربية منقسمة على نفسها، فمنهم من يرى أن النظم القائمة هي العدو الأوحد، ومنهم من يرى أن جماعات وأحزابًا داخلية هي عدو الدولة الأول، ومنهم من يرى الليبراليين أو الإسلاميين هم الأعداء، ومنهم من سيذكر دولًا عربية أخرى أنهم الأعداء، وهكذا ستجد كل شخص عربي لديه تصور للأعداء خاص به، وإن تساءلت عن العدو الأول للعرب لن تجد سوى نسبة قليلة جدًا من ستجيب أن الكيان الصهيوني هو عدو العرب الأول.

 

وما يُقلق حقًا هو ما سيحدث للأجيال القادمة وهي ترى في وسائل الإعلام المصرية والعربية والعالمية وفي شتى الاتجاهات  تصب في رأس المتلقين أن أعداء العرب هم حكامهم وفصائلهم وجماعاتهم وأحزابهم، بل وبلدان العرب تجاه بعضها البعض، ولن تجد وسيلة إعلام سواء مرئيّة أو مسموعة أو مقروءة تذكر صراحةً أن عدو العرب الأول هو ذلك الكيان المستعمر المحتل القاتل، وأنه وبالرغم من ارتكاب بَعضنَا العديد من الجرائم في حق الآخرين من إخوانه العرب، إلا أن ذلك لا يعني أن ننسى من العدو ومن الصديق، ومن بالإمكان التصالح معه بل والسعي لذلك ومَن مِن المستحيل أن ننسى أو نغفر له.

 

ولذلك ما علينا أن نقوم به في ذلك الاتجاه ليس فقط أن نشجب وندين ونطالب بالمحاكمات ونقاطع، ولكن الأهم أن نفتح عقول وأعين أبنائنا وأحفادنا على الأعداء الحقيقيين للعرب، وألا نترك ما يحدث بين العرب يؤثر على عقول الصغار وينسيهم من المحتل والقاتل والعدو داخل المنطقة العربية، وأن نُذكرهم دائمًا أن التطبيع لن يكون إلا بهم إن طوعوهم كما يريدون وأنستهم الأحداث العدو الحقيقي داخل الوطن العربي، وَلِذا علينا أن نؤكد دائمًا وأبدًا أن الكيان الصهيوني هو العدو الحقيقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد