وسط لغة التلميحات والإيحاءات والتوريات التي تتحدث بها مرجعية النجف بإمكان الراصد الذكي أن يلتقط إشارات شديدة الوضوح تتسرب من ثنايا خطب الجمعة.

المرجعية اختارات المنطقة الوسطى في محاولة للحفاظ على الموازنة والتوازن، إلا أن الثوب المهترئ للنظام السياسي، والسعي لترقيع فتوقه بطريقة أكثر اهتراءً، باتت تزيد من حرج النجف، وتدفعها دفعًا إلى الذهاب إلى منطقة تكون فيها أقرب إلى الشارع منها إلى الطبقة السياسية المترنحة تحت صيحات المتظاهرين وهتافاتهم!

من يعتقد أن رسائل المرجعية إلى الممسكين بالسلطة تقتصر على خطب الجمعة واهم تمامًا، الرسائل الأهم هي تلك التي تصل عبر القنوات السرية والتي تأتي خالية من التلميح زاخرة باللوم والتوبيخ والكلام الصريح!

السيستاني، الذي يشاع الكثير عن ابتعاده عن الشأن السياسي، وإيكال شؤون المرجعية إلى ابنه محمد رضا، يعلم تمامًا ما يجري في الشارع، ويدرك حجم المسؤولية الشرعية والأخلاقية الملقاة على عاتقه بسبب السكوت على فساد أحزاب تغاضت المرجعية، أو أيدت صعودها إلى قمة الهرم السياسي بطرق وآليات لا علاقة لها لا بثوابت الدين، ولا بروح الديمقراطية ومنهجها في الحكم.

لم تدرأ النجف التهمة عن نفسها بما يشاع عن (أبوتها) للقوى الفاسدة إلا مع انفجار الشرع العراقي في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 حين تضمنت إحدى خطب الجمعة كلامًا مباشرًا عن أن المرجعية (لا تدعم أي حزب، وليس لها مصلحة مع أي طرف) من غير أن تخوض في تفاصيل ما حدث عام 2005 حين تقمصت الأحزاب دور (جند المرجعية) ورجالاتها، وحرمت على الناخبين زوجاتهم إذا لم ينتخبوها، وكأن وجودها على رأس السلطة ركن من أركان التشيع، واستيلائها على ثروات البلاد والعبث بمقدراتها أمر موصى به من الأولين واللاحقين.

حتى الآن لا ندري إن كانت النجف تعلم بتلك الملصقات التي ملأت شوارع المدن العراقية، والتي تتحدث عن فتاوى منسوبة للسيد السيستاني تحث الناخبين على انتخاب قائمة (الشمعة)، ومن لم يمتثل لتك الفتوى يكون خارجًا عن الملة! إن كانت تعلم وتغاضت فإنها تتحمل وزر ما ترتب على تلك الفرية، وان كانت لا تعلم، ثم علمت في قت متأخر فعليها أن تعلن بصراحة لا تقبل التأويل براءتها من تلك الفتاوى المصنوعة في المطابخ السياسية الفاسدة!

الثابت بالأمس واليوم وغدًا أن المرجعيات الشيعية تحرص على نظام سياسي تكون للشيعة فيه الكلمة العليا، ولشهادة (أن عليًا ولي الله) مساحتها المعروفة في كل أذان وصلاة، لكنها في المقابل تخشى أن توظف قداسة التشيع لأغراض مدنسة، وتتحول شعاراته إلى بضاعة مغشوشة، وتجارة فاسدة يجني المدنسون (عوائدها) من أموال اليتيم والمسكين وابن السبيل، وأن يتحول التشيع من عنوان لمحاربة الظلم ودحر التمايز، والاقتداء بمبادئ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كما في قوله: «جئتكم بجلبابي هذا فإن خرجت منكم بغيره فأنا خائن لكم» أو في مقولته الأشهر «لو كان الفقر رجلًا لقتلته» إلى سرقة منظمة لبيت المال، وخراب غير مسبوق للدولة، وتخريب مفزع للمجتمع، وإنتاج جيوش من العاطلين والجياع، وقسوة غير مألوفة وغير معروفة في التعاطي مع المحتجين، وبكلمة أكثر اختصارًا فإن النظام الذي أريد له أن يكون قاتلًا للفقر كما أوصى علي بن طالب قام بدلًا عن ذلك بقتل الفقراء المطالبين بتحريرهم من العوز والضياع!

قد يثار هنا سؤال منطقي في تسلسل الأحداث وهو: ماذا لو دعت المرجعية إلى استقالة الحكومة، وحل البرلمان انحيازًا لمطالب الشعب، والوقوف مع الأغلبية المظلومة؟

الجواب واضح لا لبس فيه وهو أن المرجعية تدرك أن توجيهاتها وفتاواها إذا لامست مصالح الطبقة الحاكمة فلن يؤخذ بها، بل سيتم الالتفاف عليها والتفكير بالتخلص من المرجعية نفسها!

إن الخطبة الأخيرة كشفت عن قلق متزايد يتلبس المرجعية من احتمال زوال الحكم الشيعي بسبب القمع والفساد والتمادي بالإمساك بالمكاسب ومجيء (آخرين) بدلًا عنه، وهؤلاء (الآخرون) هم من الطرف الآخر الذي وصفه السيستاني ذات لحظة شديدة الحرج بأنفسنا!

في ضوء الخوف من (آخرين)، والخشية من أن تفقد النجف تأثيرها على المواطن الشيعي الجائع الضائع بات قلق المرجعية مركبًا ومزدوجًا في آن معًا!

ثمة خياران لا ثالث لهما أمام السيد السيستاني، وهما التصدي للطبقة السياسية الفاسدة بكل ما أوتيت مرجعيته من تأثير روحي وأخلاقي حتى إزاحتها والانحياز بنحو لا يقبل اللبس والتشكيك للشعب، أو البقاء على التل، والاكتفاء بخطب النصح والتلميح والتلويح وعندها ستفقد المرجعية مكانتها ودورها وتأثيرها، وسيكون المواطن الشيعي في حل من توجيهاتها وفتاواها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد