فقدان الهوية هو ما نعاني منه الآن، نعم فقدنا هويتنا فصرنا نهيم في الأرض لا نعرف شيئا عن تاريخنا وبالتالي ليس هناك ملامح لمستقبلنا، شوهت ملامح هويتنا وثقافتنا، أصبح هناك مزيج غريب من الأدب والفن والعادات والتقاليد المستحدثة على ثقافتنا كأمة كانت قوة ضاربة في العالم لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، كيف وصل بنا الحال إلى تلك المرحلة المتأخرة، قد تفشى المرض في أوصال الأمة، على مر أجيال استخدم المستشرقون كتبهم في إغراقنا بتاريخ زائف عنا، أو على الأقل بتاريخ كان يتم توثيقه لأهلهم ولكن بطريقة أو بأخرى وصلت مراجعهم إلينا، وانتشرت أفكارهم بيننا، كان عليهم تجفيف المنابع وقد كان.

سنعود قليلًا لما بعد الحروب الصليبية ما بعد سقوط الأندلس وفتح القسطنطينية، بالتحديد في الحقبة النابليونية، حيث استطاع نابليون أن يغزو الشرق العصي على الغزاة، استطاع من خلال فترة احتلاله لمصر أن يأخذ معه بعض المصريين والمماليك الذين غرتهم الملابس الفرنسية الراقية – بالنسبة لهم -، منذ تلك اللحظة أصبح الغزو الفكري هو المهيمن على الوضع، استطاع نابليون ومن عاصره من المستشرقين فهم الأحجية، إن المسلمين حتى وإن كان بعضهم جهلة إلا أن مصادرهم الكتب سواء القرآن أو كتب التراث والآثار، ومن هنا بدأت الرحلة في طمس الهوية.

أصبحنا نعيش بهوية مزيفة كانت نتاج الحرب العالمية الأولى التي سقت الشعوب شراب القومية، تم القضاء على الإمبراطوريات الكبرى لتحل محلها الإمبريالية الجديدة في شكل عصبة الأمم، نظام عالمي يفرض سطوته على العالم، ويقضي على أي إمبراطورية تحاول النهوض مجددًا، فقد تم القضاء على دولة الخلافة في ثوبها العثماني، وقسمت الإمبراطورية النمساوية ولاحقًا تم القضاء نهائيًّا على فكرة عودة الإمبراطورية الألمانية كما كان يفكر “أدولف هتلر” قضي عليه لأنه كان يهدد وحدة النظام الجديد، ومعه غربت شمس إمبراطورية – اليابان -، وهنا في الشرق كان البند الأول من سايكس بيكو هو الطامة الكبرى:

“إن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا أي دولة عربية مستقلة أو حلف دول عربية تحت رئاسة رئيس عربي في المنطقتين”.

فقسم الشام كما قسم من قبله المغرب العربي والبلقان، وأصبح دور الاستعمار أو الانتداب أو أي كان اسمه له الحق في التدخل بمنهجية التعليم وطمس كل شيء يمت لماضيهم بصلة، شوهت المناهج الدراسية وبثت الخبائث تحت مسميات عدة، ساعد في ذلك ثلة من – المثقفين – المبهورين بما يقدمه المحتل من رقي – من وجهة نظره -، وابتليت الأمة بمرض عضال يُسمى “القومية – الوطنية”، وخرج الاحتلال من البلاد بعد أن تيقن أنه باق في نفوس حكام تشربوا قيمه وعاداته، ليسوا سوى أداة تحركهم أيادي الأمم المتحدة ورئيستها وزعيمة العالم الجديد أمريكا.

كان الأمر ليس بصعب على النظام الجديد الذي استمال إلى ضفته أمثال أتاتورك ذي النزعة القومية التركية وبسط رداء العلمانية، تحولت الدولة العثمانية تحولًا جذريًّا في أقل وقت، وبعد ذلك تم التخلص من العائلات المالكة التي قد تسبب مشاكل لعصبة الأمم وتحاول الدفاع عن فلسطين والقدس، وقد يأتي من أصلابها من يحاول عودة الخلافة ولو بشكل رمزي، تم تسليم البلاد إلى العسكر الجدد ممن رضي عنهم، فكان عبد الناصر أبًا للقومية العربية التي كان كل ملوكها وأمرائها ورؤسائها مجرد عرائس ماريونيت تحركها أصابع الغرب من أحفاد الشريف حسين وغيرهم ممن سلب عقولهم بريق الحياة وأضواء الغرب وقيمه الغريبة.

والآن وبعد مرور ما يقارب المائة عام، راحت تبرز عيوب ما قد تم صنعه، فالكون لا يسير وفق هوى منظومة أو مجموعة من الدول، صحيح أنها أصبحت أمرًا واقعًا، ولكن هناك سننًا كونية وهي تتمثل في حقب تظهر بها إمبراطوريات وتختفي أخرى ويعاد رسم الخرائط والحدود، ومن وجهه نظري المتواضعة فنحن أمام حقبة جديدة ونهاية أخرى، فمع كل ما اتخذه النظام العالمي من احتياطات لعدم بزوغ شمس أي إمبراطورية جديدة لها نفس قيم ومفاهيم أسلافها، إلا أن هناك من يعبث ويطمح في أن تكون له إمبراطوريته الخاصة مثل:

1-“إيران ومشروعها في عودة الإمبراطورية الفارسية بشكلها الجديد ومظهرها الشيعي”.

2-“تركيا وعودة روح العثمانين والذي استغله أردوغان في محاولة أن يصبح خليفة عثماني”.

والمشروع الأخير هو يضع الكثير من التساؤلات أمامنا إنه مشروع ما يسمى”بتنظيم الدولة الإسلامية”، برغم أن هناك علامات استفهام كبيرة حول ذلك التنظيم إلا أن الوضع أصبح جليًّا الآن، في حين أن المشروعين السابق ذكرهم، هم في الأصل تحت عباءة النظام العالمي، أما ذلك الأخير فيظهر بأنه المحارب الوحيد للنظام العالمي، وقد يلاحظ البعض أن الثلاثة ينتمون إلى هوية واحدة – الإسلام -، ولكن لكل منهم منظورًا مختلفًا بين – شيعي وعلماني وسني – وقد نستنتج من هذا أن الأمة الوحيدة التي قررت النهوض بإمبراطوريتها هي أمة الإسلام، فالصراع العقائدي في أوج قوته، حتى وإن أخفت أمريكا ومن يعاونها إلا أنه يظهر جليا في تصريحات بعض القادة منذ احتلال العراق، العالم أصبح على شفا الجحيم وبداية حرب عالمية ثالثة تلقي بظلالها على العالم، يتهيأ العالم لشيء جلل، ولكن أكثر أمة الإسلام لا يفقهون شيئًا. وقد نرى تمرد الكثير من الشباب على فكرة الديموقراطية مما جعل الأمر يصبح أكثر سوءًا للنظام العالمي الذي بدأت تتصدع جبهاته بعدما كفر الكثيرون بدين الديموقراطية.

ولكن في المقابل هناك من يعول عليهم في حربه، وهم القوميون والعلمانيون الذين يرون أن التعايش في حدود الوطن هو الشيء الوحيد الذي يجب فعله، يحاربون بكل قوتهم ضد فكرة عودة الإمبراطوريات – الخلافة – فنرى البعض يضع صور جيفارا وآخرون يمجدون أتاتورك وهؤلاء وضعوا جولدمائير ضمن قائمة نساء رائدات وعلقت صورتها على جدار متحف، وآخرون أصبحت عقولهم مجرد أوعية تحوي خزعبلات الدروانية والتهكم على الأديان والبحث عن المثالية، وهؤلاء سيكونون أول القتلى في الصراع الديني المقدس، وسيكون معهم فريق كبير ممن يعيشون في عالم – الإنسانية المزيفة – وفق معتقداتهم فلا مجال للرماديين أصحاب الوازع الاشتراكي والعلماني، سيكونون هم أول من يضحى بهم في تلك الحرب التي لن يكون فيها منتصر فقط ناجين، كما نرى الأكراد تم الدفع بهم إلى الحرب ضد “تنظيم الدولة” وغيرهم من الفصائل الإسلامية التي تريد دولة ديموقراطية، وبعد أن يتم التخلص منهم – الأكراد والقوميون – سيأتي دور الجيوش النظامية الباقية في المنطقة والسؤال هنا هل ستصمد أمام فكرة عودة الإمبراطورية؟ وهل سترضى الشعوب بذلك بعدما فقدت هويتها في خضم حياة بائسة فرضتها عليهم حدود زائفة ونعرات قومية وحكام طغاة؟

إن ما يحدث وما سيحدث قد لا يستوعبه العقل, فنحن أمام متغيرات هائلة تحدث, أما نحن فلم نرتق للتقدم المنشود ولم نحتفظ بما قد يكون مميزًا لنا. لا نعلم مع أي فريق نحن تقسمنا بين – أكراد وأتراك ومصريين وسعوديين وعراقيين وسوريين ومغاربة،… إلخ -. فقط ننظر تحت أقدامنا بحثًا عن أوطان تحمي – كيانًا غريبًا – وإن فكرنا في النظر لأعلى وجدنا سادة العالم يفرضون سيطرتهم علينا.

فمن نحن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد