يا من تكتبون اللغة العربية بحروف إنجليزية… من أنتم ؟!

ليس على وجه الأرض لغة لها من العظمة والروعة مثل اللغة العربية ، ولكن ليس على وجة الأرض أمة تسعى بوعي أو بلا وعي لتدمير لغتها مثل الأمة العربية ، لغة كرمها الله بنزول القرآن بها ، يهينوها بأيديهم ؟!

حتى وصل الأمر إلى أن نجد أبنائها يكتبون  بما يسمى فرانكوا  أرب  ! ما هذا الزمن الذي اصبح تكتب فيه الحمد لله هكذا “el7” ؟!

لا أدري هل نحن بحاجة لكي نتحدث عن أهمية اللغة العربية لأبناء الأمة العربية … قد يكون ذلك ضرورياً أحياناً ، فالإنسان قد لايدرك أهمية أشياء موجودة لديه إلا إذا افتقدها أو أحس بأن فيها خللاً أو مكروهاً فأنت تحب أخاك ولكن لم تسأل نفسك عن مقدار هذا الحب أو مدى أهمية هذا الأخ الذي أصابه مكروه أوابتعد عنك لسبب من الأسباب … وكذلك الأمر بالنسبة للغة فهي هويتنا ووسيلتنا للتعبير عن وجودنا وموروثنا الثقافي والديني الذي بدونها لا وجود له .

وقد استطاعت اللغة العربية أن تكون لغة حضارة إنسانية واسعة اشتركت فيها أمم شتى كان العرب نواتها الأساسية والموجهين لسفينتها، اعتبروها جميعاً لغة حضارتهم وثقافتهم فاستطاعت أن تكون لغة العلم والسياسة والتجارة والعمل والتشريع والفلسفة والمنطق والتصوف والأدب والفن .

وظلت اللغة العربية طيلة القرون الماضية متمسكة بكيانها  إلى أن جاء مصطفى كمال  أتاتورك عام 1928 و استخدم الحروف اللاتينية بدلاً من العربية في كتابة اللغة التركية  ، ولكنه لم يجرؤ على أن يضع أرقاماً في تلك الأبجدية .. ومع مرور الوقت و انتشار وسائل التواصل الحديثة كالأنترنت والتويتر وغيرها من برامج الشات ابتكر الشباب لغة جديدة للتواصل تسمى  ” بالفرنكوا  أرب ” وهي عبارة عن لغة عربية مشوهة مكتوبة بحروف لاتينية مطعمه ببعض الأرقام .

هذه الظاهرة تمثل خطراً حقيقياً على اللغة العربية من ناحية اقصائها واستبدالها بحروف لاتينية أو الاستعاضة عنها أحياناً باللغة العامية الدارجة ما يشكل خطراً كبيراً على اللغة العربية و الهوية الإسلامية ،حيث يلاحظ أن هذه اللغة المصطنعة انتشرت بسرعة هائلة، وعلى نطاق واسع، بين الشباب العربي اليوم، حيث باتوا يستخدمونها للدردشة في مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، والرسائل القصيرة عبر الهواتف النقالة، دون الإلتفات إلى مخاطرها في تشويه فصاحة اللغة العربية، وتداعيات إقصائها عن الاستخدام شيئاً فشيئاً، مما يهددها  بفرنجة مقرفة.

و كان لتزايد استخدام هذه اللغة المصطنعة في المحادثة أثره على ثقافة بعض الشباب حيث أخذوا يستخدمون هذه اللغة على أنها اللغة الأصيلة، وأصبحت هي وسيلة التخاطب بينهم حتى عبر الرسائل الورقية العادية، بل وصل الأمر إلى كتابة الشعر بهذه اللغة  !!

إن خطورة استخدام هذه الوسيلة في التحدث، والتي لا يعيها كثير من الشباب اليوم، تندرج في إطار خطط الغزو الثقافي ضد الأمة العربية والإسلامية، والتي تهدف لخلق جيل منسلخ عن ثوابته الدينية والعقدية واللغوية والوطنية، مبتعداً عن مجتمعه المسلم،  شباب فارغ من كل معنى، غارق في أوحال الجهل والخمول واللامبالاة ومستغرق فيها،  والتي من بينها التدريس باللغات الأجنبية، والدعوة إلى الكتابة باللهجة العامية، وقد ظهر في هذا المجال مشروع أميركي صريح يدعو إلى ” تغيير شكل حروف اللغة العربية واستبدال اللغة اللاتينية بها” وذلك تحت حجة التقريب بين الشعوب العربية والشعوب الغربية .

يقول خالد توفيق في كتابه وساوس وهلاوس : ( هنا تتسأل سؤالاً منطقياً : لماذا لا تكتبون عربية جيدة مفهومه ؟ يقولون لأنهم لا يحفظون مواضع المفاتيح العربية .. إنهم يجدون الكتابة بالعربية صعبة .. تسألهم لماذا لا تكتبون إنجليزية جيدة إذن ؟.. لأنهم لا يجيدون الإنجليزية ! … وهكذا تكتشف أن الفرنكوا آراب هي لغة من لايجدون أي لغة … )

وبالنظر إلى بعض الشبابنا اليوم نجد أنهم ينظرون إلى لغتهم الأم نظرة دونية فنجدهم يحرصون على تطعيم حواراتهم وأحاديثهم بكلمات من لغات اجنبية خصوصاً الإنجليزية والفرنسية،  بل إنهم أحيانا يفعلون العكس ، إذا أنهم يطعمون حديثهم بعدد محدود جداً من المفردات العربية بدعوى أنهم يفضلون التحدث باللغات الأجنبية، لاعتقادهم بأنها لغات حضارية في مقابل لغتهم الأم الدونية .

إن مثل هذه الظواهر التي نشهدها اليوم تكشف لنا عن أزمة ضعف مستوى اللغة العربية  بين أبنائها يرجع إلى عدة أسباب اهمها :

1-ضعف وتخلف المناهج الدراسية المتخصصة في تعليم اللغة العربية .

2-قلة كفاءة الكوادر التعليمية القائمة على تعليم اللغة العربية .

3-انتشار وسائل الإعلام و ظهور العديد من البرامج الحوارية التي يكون الاعتماد فيها على اللهجات المحلية للدول صاحبة البرنامج .

4- انتشار الجامعات والمدارس الأجنبية التي تصبح اللغات الأجنبية فيها  اللغة الأولى في التعليم  مما يتسبب في تخرج أجيال لا يعرفون شيئا عن  لغتهم العربية، بل ولا يجيدون القراءة والكتابة بها .

إن الأمر يتطلب الانتباه إلى مخاطر تداعيات تنحية اللغة العربية عن الاستخدام في تلك المجالات، وما يعكسه هذا الحال من ضرر فادح على مستقبلهافإذا ماتت لغتنا واندثرت تحت حبيبات الرمال ! فسوف تندثر عزتنا وكرامتنا ومنعتنا وقوتنا وحضارتنا فلا نستطيع أن نكسب كل هذه الأمور إلا بمحافظتنا على أمنا التي ربتنا وكانت تلازمنا في لساننا منذ أن كنا أطفال ! ولابد من التركيز على توعية الشباب بمخاطر اعتماد لغة الدردشة في التخاطب بدلاً من العربية الفصحى، وتعميق مبدأ الاعتزاز باللغة العربية باعتبارها من أهم مميزات الهوية العربية والإسلاميةفهي أعز لغة عرفها التاريخ لأنها لغة كرمها المولى بإحتظانها لمفردات القرآن الكريم ..  ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2]،

ويسرني أن أختم بأبيات عن اللغة العربية التي تنعى حظها للشاعر الراحل حافظ إبراهيم التي قالها وكله أسى على حال لغتنا ولساننا العربي :

رَجَعْتُ لنفسي فاتَّهَمْتُ حَصَاتي . . . وناديتُ قَوْمـي فاحْتَسَبْـتُ حَيَاتـي

رَمَوْني بعُقْمٍ في الشَّبَابِ وليتني . . . عَقُمْتُ فلـم أَجْـزَعْ لقَـوْلِ عُدَاتـي

وَلَــدْتُ ولـمّـا لــم أَجِــدْ لعَـرَائـسـي . . . رِجَـــالاً وَأَكْـفَــاءً وَأَدْتُ بَـنَـاتـي

وَسِعْـتُ كِتَـابَ الله لَفْظَـاً وغَايَـةً . . . وَمَـا ضِقْـتُ عَــنْ آيٍ بــهِ وَعِـظِـاتِ

فكيـفَ أَضِيـقُ اليـومَ عَـنْ وَصْـفِ . . . آلَـةٍ وتنسيـقِ أَسْـمَـاءٍ لمُخْتَـرَعَـاتِ

أنا البحرُ في أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ . . . فَهَلْ سَأَلُـوا الغَـوَّاصَ عَـنْ صَدَفَاتـي

فيا وَيْحَكُمْ أَبْلَـى وَتَبْلَـى مَحَاسِنـي . . . وَمِنْكُـم وَإِنْ عَـزَّ الـدَّوَاءُ أُسَاتـي

فــلا تَكِلُـونـي للـزَّمَـانِ فإنَّـنـي . . . أَخَــافُ عَلَيْـكُـمْ أنْ تَـحِـيـنَ وَفَـاتــي

أَرَى لـرِجَـالِ الـغَـرْبِ عِــزَّاً وَمِنْـعَـةً . . . وَكَــمْ عَـــزَّ أَقْـــوَامٌ بـعِــزِّ لُـغَــاتِ

أَتَــوا أَهْلَـهُـمْ بالمُـعْـجـزَاتِ تَفَـنُّـنَـاً . . . فَـيَــا لَيْـتَـكُـمْ تَـأْتُــونَ بالكَـلِـمَـاتِ

أَيُطْرِبُكُمْ مِنْ جَانِـبِ الغَـرْبِ نَاعِـبٌ . . . يُنَـادِي بـوَأْدِي فـي رَبيـعِ حَيَاتـي

وَلَـوْ تَزْجُـرُونَ الطَّيْـرَ يَوْمَـاً عَلِمْتُـمُ . . . بـمَـا تَحْـتَـهُ مِــنْ عَـثْـرَةٍ وَشَـتَـاتِ

سَقَـى اللهُ فـي بَطْـنِ الجَزِيـرَةِ أَعْظُمَـاً . . . يَعِـزُّ عَلَيْهَـا أَنْ تَلِيـنَ قَنَـاتـي

حَفِظْـنَ وَدَادِي فـي البلَـى وَحَفِظْتُـهُ . . . لَهُـنَّ بقَلْـبٍ دَائِــمِ الحَـسَـرَاتِ

وَفَاخَرْتُ أَهْلَ الغَرْبِ ، وَالشَّرْقُ مُطْرِقٌ . . . حَيَـاءً بتلـكَ الأَعْظُـمِ النَّخِـرَاتِ

أَرَى كُــلَّ يَــوْمٍ بالجَـرَائِـدِ مَزْلَـقَـاً . . . مِــنَ القَـبْـرِ يُدْنـيـنـي بـغَـيْـرِ أَنَـــاةِ

وَأَسْمَـعُ للكُتّـابِ فــي مِـصْـرَ ضَـجَّـةً . . . فَأَعْـلَـمُ أنَّ الصَّائِحِـيـنَ نُعَـاتـي

أَيَهْجُـرُنـي قَـوْمـي عَـفَـا اللهُ عَنْـهُـمُ . . . إِلَــى لُـغَـةٍ لــم تَتَّـصِـلْ بـــرُوَاةِ

سَرَتْ لُوثَةُ الإفْرَنْجِ فِيهَا كَمَا سَرَى . . . لُعَابُ الأَفَاعِي في مَسِيلِ فُـرَاتِ

فَجَـاءَتْ كَـثَـوْبٍ ضَــمَّ سَبْعِـيـنَ رُقْـعَـةً . . . مُشَكَّـلَـةَ الأَلْــوَانِ مُخْتَلِـفَـاتِ

إِلَى مَعْشَرِ الكُتّابِ وَالجَمْعُ حَافِلٌ . . . بَسَطْتُ رَجَائي بَعْدَ بَسْطِ شَكَاتي

فإمَّا حَيَاةٌ تَبْعَثُ المَيْتَ في البلَى . . . وَتُنْبـتُ فـي تِلْـكَ الرُّمُـوسِ رُفَاتـي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد