بعد أن تعرى الإتحاد الأوروبي

في العام 2014 صنفت كلمة (داعش) الاختصار الأمني والإعلامي لـ«تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» كأكثر الكلمات نطقًا على سطح الكوكب، وبلا شك ستصنف كلمة كورونا الأكثر نطقًا وتداولا في العام الساري، وربما لسنوات قادمة، فالوباء الذي قتل كتابة وبحثًا وتكهنات يبدو أنه أكثر من مجرد فيروس قاتل، بل اختبار للإنسانية الهشة، التي ادعت دومًا التفوق والتطور، اختبار لمفهوم التحضر واقتسام الكوكب بين بني الجنس الواحد، في بعد تام عن الإنسانية التي ارتبكت هده الأيام.

يعتبر الأوروبيون أنفسهم مند تاريخ نشأتهم بصفة الكيان المنير لباقي شعوب العالم، وأخدهم على عاتقهم منهج التحضر وإعطاء المثل الأعلى دومًا في التكاتف والمساعدة للبشرية من اختراعات غيرت وجه العالم، وتلاحم مثير بين دولها في وجه كل مد يشكل خطرًا على البشر، هاهم اليوم وفي تعرية واضحة وانهيار لكل قيمهم الإنسانية يطبقون الآية القرآنية التي وصفت الإنسان، كل إنسان: خلق الإنسان هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا، فلم تعد مظاهر تخاطف الناس للسلع في كل شبر من الكوكب تحسبًا للحجر الصحي، بل تعرى وجه التكافل أمام محنة الشعب الإيطالي الذي تساقطت فيه الأرواح بكثافة مرعبة جراء القاتل الجديد كورونا.

قد لا يصدق الناس أنه بحسابات بسيطة لا توجد دولة على الأرض قادرة على احتواء كورونا، اللهم الصين التي تتخد من الصناعة في كل مجالاتها عنوان قيامتها وتغولها على الجميع، وعندما عجزت إيطاليا الغربية الأوروبية، استنجدت بالطبع بأحلافها الطبيعيين الناطقين بلغة أقرب للغتها، لكن جوبهت برد بارد، لا يوجد ما يكفي الجميع، تدبروا أموركم،مساء الخميس، وصلت رحلة جوية تقل فريق مساعدة صيني، مؤلف من تسعة أفراد ويحمل معه أطنانا من الإمدادات الطبية، إلى مطار فيوميتشينو بروما، وكان في استقبالها حشد من الخبراء المحليين من الصليب الأحمر الإيطالي، ومسؤولون من وزارة الخارجية الإيطالية، ومندوبون من السفارة الصينية لدى إيطاليا، بحسب وكالة شينخوا الصينية الرسمية، وظهر وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو على موقع الفيسبوك وهو يعرب عن شكره وقال: الليلة، إيطاليا ليست وحدها. الكثير من الناس في العالم يدعموننا، فيما عرض على الكمبيوتر خاصته بثًا حيًا للمشهد في المطار.

الدعم الصيني غير المتوقع حدا ببيبي غريلو، الزعيم السابق لحركة فايف ستار، أن يكتب على مدونته في وقت متأخر من يوم الخميس يقول: درس آخر يأتي من الصين، خلال هذه الأيام التي تواجه فيها إيطاليا صعوبات كبيرة، تضامن مع رسائل، ومساعدات، ومعدات طبية، وأطباء، وأضاف: كما يقول أحد أمثالنا: حب الصديق هو حب للأبد، فقد ولد ليكون صديقًا في المحن.

المثير في الأمر أن المعدات التي وصلت لمطار روما قد جاءت وفق الطلب الإيطالي، يعني ما يحتاجه الإيطاليون في مستشفياتهم وثبتت فائدته في الطبابة السريرية لمكافحة الفيروس وساعد على شفاء المصابين. لكن وسائل إعلام أمريكية قد اتهمت بكين خلال فبراير (شباط) الماضي بإخفاء العدد الحقيقي للإصابات في البلاد، وبأنها باتت مصدرًا لتهديد العالم، فضلًا عن كون الفيروس نشأ على أراضيها، وذهبت صحيفة «وول ستريت جورنال»، آنذاك إلى حد وصف الصين برجل آسيا المريض، في استدعاء لما وصمت به إبان أكثر مراحل ضعفها، نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، عندما تم تمزيقها بين اليابان وقوى غربية، وأثار ذلك الوصف غضب بكين، التي طردت ثلاثة من صحافيي «وول ستريت جورنال»، في تحرك هو الأول من نوعه منذ أكثر من عقدين، متهمة واشنطن بتشويه صورتها حول العالم، والصحافة الأمريكية التي قللت من جهود الصين في احتواء الفيروس تصاب اليوم بخيبة أمل عظيمة وهي تشهد إعلان الصين صفر حالة من الإصابة بالفيروس.

الصين في التفاتتها للعالم أجمع كانت قد أوفدت فريقين مدعومين بأجهزة ومعدات طبية للعراق وإيران من أجل تقديم الخبرة اللازمة في مواجهة الوباء، فإيران التي يشاهدها العالم تواجه الوباء وحدها وجدت في الصين منفد أمل قد يساعدها على تجاوز المحنة الإنسانية وفقًا لما ذكره مستشفى رويجين بكلية الطب في جامعة جياوتونغ في شانغهاي، التي قامت بتجهيز هذه المعدات.

أعرب فرانشيسكو روكا، رئيس الصليب الأحمر الإيطالي، عن تقديره للخبراء الصينيين الذين اختاروا بعد عملهم الشاق في الصفوف الأمامية لأكثر من شهر، مواصلة العمل وتحمل عناء السفر إلى إيطاليا لتقديم المساعدة، بحسب صحيفة «شينخوا» الصينية. ومن جانبه أشار السفير الصيني لي جون هوا إلى أن الدعم الصيني، هو مثال يبرز أهمية رؤية مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية، مضيفًا أن أعضاء الفريق هم أبطال على طريق محفوف بالمخاطر.

ليست إيطاليا وحدها من استنجدت بالصين، فقد قال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في مؤتمر صحافي في 15 من مارس (أذار)، ما قد يصبح بعد سنوات مرجعًا تاريخيًا يدرس في كتب التاريخ من أجل إيضاح بداية التفكك للحلم الخيالي الأوروبي وأعلن فيه أن بلاده قد دخلت حالة الطوارئ بسبب الفيروس، كما وجه نداءً عاجلًا إلى الصين، آملا في الحصول على مساعدة فيما يتعلق بالتقنية والمواد. ووصف فوتشيتش التضامن الأوروبي بأنه قصة خيالية، وأثنى على الصين، قائلًا إنها الدولة الوحيدة التي ستمد يد العون لبلاده، واصفًا رئيسها بالأخ الصديق.

يقف التاريخ الأن على عتبة تحول مهم لكل الأبجديات المعروفة لهدا العلم، فقد انغمست غالبية الأدهان في العالم في فكرة أن الصين دولة متخلفة وشيوعية لا إيمان لها، تضطهد الأقليات وتقمع الحريات وتصنع الملابس والأجهزة الرديئة، ودون الخوض في تغولها الاقتصادي ها هي تتغول سياسيًا كمنقد للغرب، فبالرغم من مكابرة الولايات المتحدة الأمريكية والحرب التي تقودها من أجل خلق ظروف كظروف حرب الأفيون التي أغرقت الصين في مستنقع الفقر والتخلف الاقتصادي، إلا أنها لم تقدم غير روح الاستغلال الغربي متمثلة في عرض ترمب مليار دولار على شركة ألمانية ليكون إنتاج اللقاح أمريكيًا خالصًا في الوقت الذي تبعث فيه الصين روح التحدي لمواجهة الوباء القاتل عالميًا، فقد تبرع سفيرها في تونس لشراء كمامات طبية، هده اللفتة الإنسانية حتى وإن كان غرضها سياسيًا فلا تنفي حقيقة كون الصين قد أثبتت وقوفها مع العالم وكل من يطلب يد العون منها، في خطوة أفضل بكثير مما فعلته أغلب الدول التي تدعي الوقوف إلى جانب الإنسان أينما كان. وسياسة ملء الفراغ التي انتُهجت بُعيد الحرب العالمية الثانية ها هي تأتي للصين على طبق من ذهب، والمشكور هنا كورونا، الذي مهد لرجل آسيا المتعافي الطريق لملء كل الفراغات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصين, الغرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد