في برومو الجزيرة الخاص ببرنامج “ما وراء الخبر” يسأل محمد كريشان أحد ضيوفه قائلا: من له مصلحة في أن يفعل ما تم فعله؟ حول حدث من الأحداث الكثيرة والمتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية وباستمرار، والتي لا نعلم ماهية الأسباب الخفية وراءها.

وبعد أحداث باريس الدامية، والتي يدينها بشدة كل من يحمل قلبا بشريا، أطرح أنا السؤال ذاته، وأنتظر الأجوبة ذاتها، رغم تباعد الأحداث زمانيا ومكانيا، حيث اعتادت المنطقة العربية منفردة على هجمات حصدت من الأرواح ما لا يمثل حتى ١٠٪ من مجمل ضحايا باريس.

ومهما كانت الحصيلة، فالضحايا أبرياء عزل، والعدو واحد، وتجب محاربته هو ومن يقف وراءه ممن يموله، ومن يخطط لهذه الهجمات الدقيقة في الزمان والمكان المناسبين، لكن وراء كل هذه الأحداث، ووراء كل نقطة دم تسقط وراءها رابح وخاسر.

إذن من المستفيد من أحداث باريس الدامية؟ لا شك أن الكل شاهد زعيمة اليمين المتطرف، وهي تصطاد في الماء العكر، وتثبت للفرنسيين أن التطرف والعنصرية وطرد المهاجرين هو النهج الوحيد الذي من شأنه الحد من هذه الهجمات، وعلى الكل أن يتبناها؛ لتنعم الجمهورية بالأمن والسلام.

كما جاءت هذه الأحداث، وبعد فترة وجيزة من الانتخابات المقبلة لتشكل ورقة ضغط على من أبدو ارتياحهم للحكومة الاشتراكية الحالية، في حين يرى آخرون أنها فاشلة، ولم تحقق شعبية واسعة منذ تشكيلها، وهم غالبا أولئك الذين يبدون ولاءهم لليمين المتطرف.

أما المستفيد الثاني، فهو أوروبا نفسها، والتي وجدت نفسها مرغمة على قبول اللاجئين الفارين من شبح الحرب السورية والعراقية، وقد أجبرها تشدقها بمنظومة القيم والعدالة على القبول بهم على أراضيها ومعاملتهم كباقي بني البشر.

ولأنها تعيش ركودا اقتصاديا، ولم تعد بحاجة إلى أيد عاملة رخيصة، فهي ترى أن هذا من شأنه أن يشكل عبئا على اقتصادها، في حين ترى ألمانيا التي تعاني من ارتفاع نسبة الشيخوخة مقابل انخفاض الساكنة النشيطة فرصة لتدارك هذا النقص على المدى المتوسط.

أما خارجيا، فالمستفيدون كثر وعلى رأسهم النظام السوري، الذي أدان وبشدة، كما جاء على لسان بشار الأسد، هذه الهجمات محاولا إقناع العالم بأنه دخل في مواجهة هذا الخطر منذ اندلاع الثورات؛ ليضع العالم أمام الأمر الواقع، ويقنع أصحاب القلوب الضعيفة بما تفوه به، منبع الإرهاب وصانعه ومُصدّره إلى العالم أجمع.

وما يصب في مصالح بشار فله انعكاس مباشر على مصالح بوتين الذي يعتبر ما وقع في باريس من هجمات حافزا وداعما لمواقفه ومساندته ووقوفه مع الأسد في السراء والضراء.

إضافة إلى تنظيم الدولة الذي حقق وعن جدارة أهدافه، والتي تتجلى في زرعه الرعب والخوف في ربوع المعمورة، وإجبار العالم بقبول دولة أسمت نفسها دولة الخلافة يتمدد شبحها وإن كانت وهمية، وإن لم تكن له أياد فيما حدث، فما وقع في صالحه وعلى نطاق واسع، سواء نفذ تلك الهجمات بأياد داعشية، أم نفذها بالوكالة والإنابة عنه طرفا آخر.

علاوة على وصول بنيامين نتنياهو إلى مبتغاه في التسويق لضرورة محاربة الإسلام المتطرف والراديكالي الذي يتهم حركات المقاومة الفلسطينية بممارسته، حتى وإن كانت لا تدافع إلا عن حقها في العيش كباقي بني البشر.

نجح أعداء الإسلام إذن في تحقيق أهدافهم المنشودة، والتي تنظر للإسلام بأنه الخطر الذي تجب محاربته بشتى الوسائل المتاحة، وما دعمهم للدولة الإسلامية من وراء الكواليس، إلا مؤشر يقودنا لفتح تساؤلات تنتظر إجابات شافية من قبيل: لماذا لا يهدد تنظيم داعش إسرائيل، وهي الأقرب جغرافيا والعدو الأول تاريخيا؟ وإذا كان احتلال فلسطين هو أصلً مشاكل الشرق الأوسط، ألا يجب تدارك الوضع وحل الأزمة السورية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد