إن سؤال من أنزل المطر، يختلف كليًّا عن سؤال كيف ينزل المطر.

 

فالأول ينسب الفعل إلى فاعل وهذا يتطلب البحث عنه، والثاني يسأل عن الكيفية وهذا يتطلب البحث في الحادث لمعرفة طريقة الحدوث.

وإجابة الأول أشد تعقيدًا من الثاني، وجواب الثاني أيسر بكثير من جواب الأول، وكلاهما موضوعه مختلف وإن كان الجامع واحد وهو نزول المطر، وكلاهما لا يتعارضان، إلا في ذهنية حكمت بالنفي مسبقًا، وهي ذهنية عاطفية، لا تتحاكم لقوانين المعرفة وإن كان صاحبها عالم.

 

ولا يمكن أن يقول واحد من الناس أن سؤال السائل: من الذي أنزل المطر، هو سؤال خطأ أو سخيف أو غير علمي من البداية، لأنه – بحسب زعمه – لا يوجد أحد ينزل المطر، بل المطر نزل بطريقة معينة، ثم يشرح بشكل علمي كيف يصعد الماء إلى السماء، ثم كيف تتكون السحب، ثم كيف هو سوق الرياح للسحب، ثم نزول المطر في الأخير، تلك القطرات البسيطة، ذات المدلول العظيم.

 

وهذا النفي، والقول بأنه لا أحد ينزل المطر، خاطئ تمامًا، ولا يخرج إلا من رأس متعصبة ومتشنجة، تأخذ من العلوم ما يرضيها، وتجعل من نفسها المرجع الوحيد للبشرية في السؤال وإنشاء المسائل.

 

لماذا؟

 

لأنني لو سألت النافي وقلت: هل لديك دليل على النفي أم لا؟

فلو قال نعم ثم راح يشرح لي كيفية استنتاج العلم لنشوء هذا الكوكب، أو نزول المطر، ما زاد وقتها على أن فسر ما حدث بطريقة علمية، وهذا ليس هو المطلوب. فالمطلوب هو الإجابة عن سؤال محدد وهو: من الذي أنزل المطر؟ وليس كيف ينزل المطر؟

 

والسؤال عن مُنزِل المطر سؤال صحيح وواقعي وعقلاني، لأننا أدركنا منذ صغرنا أن للسيارة صانعًا، وأن للبيت صانعًا، وأن كل مصنوع له صانع، فلو قلت لأحد: من الذي صنع السيارة؟ فقال لي: إن السيارة مكونة من أجزاء هي كذا وكذا، يحركها موتور يكافئ قوة السحب، ويزوده بالطاقة وقود اسمه كذا وكذا، هل تراه وقتها قد أجابني على السؤال، أم فسر لي ما حدث علميًّا؟

 

لقد فسر لي ما يحدث بطريقة علمية لم أكن أعرفها قبل، ولكني كلما قلت له هذا السؤال: من الذي صنع السيارة، قال لي إن سؤالك في غاية السذاجة، ليس للسيارة صانع!

 

فمن وقتها الساذج والسخيف والمتشنج وصاحب الهوى؟

 

وهذا ما يحدث بالفعل عندما يسأل أحد ما عن من ذا الذي خلق هذا الكون، فتكون إجابات الملحدين جميعها تفسيرات علمية – محتملة – لنشأة الكون، أو إجابات تصورية وتخيلية  – محتملة – عن خلق الإنسان أو أصل الأنواع.

وجميعها ليست إجابة على المطروح البتة، بل طرح لتصور «محتمل» ناتج عن جمع ضعيف لأدلة ليست قاطعة في الباب الذي نبحث عنه ونسأل فيه.

فتجد أحدهم يقول: لقد جاء الخلق الأول عن طريق تفاعل كيميائي في بركة صغيرة دافئة، ويتبع الآخر فيزيد من جرعة التخيل ويقول: ماذا لو كان هنالك في إحدى المرات مساحةً صغيرة من الماء، مليئةً بالمركبات العضوية البسيطة التي تسبح في ضوء الشمس. يمكن لبعض هذه المركبات أن تندمج لتشكيل مادة تساهم في تكوين الحياة كالبروتين، والتي بإمكانها أن تبدأ بعد ذلك بالتطور وتصبح أكثر تعقيداً.

وأحد الإجابات على هذا هى: ماذا لو لم يكن؟

ثم إن تفصيلًا «تخيليًا» كهذا، يجعلك تتخيل صاحبه وقد كان جالسًا وقت وقوع الحدث، وخروج الخلية الأولى، التي جاءت منها أصل الأنواع أمام عينيه، فهل شهد المتخيل هذا الخلق، أم أن ما يقوله هو افتراض تخيلي محض، حاول به الإجابة عن سؤال مفاده من الذي خلق الخلق؟

 

ولو افترضنا صحة هذا الطرح  – وهو لا دليل عليه -، فيبقى السؤال: من الذي سمح لهذه التفاعلات أن تحدث، ومن الذي أوجد ضوء الشمس، ومن الذي خلق المركبات وأوجدها، ومن الذي أوجد المركبات العضوية ورتب لها كل هذا الترتيب، لينتج عنها في النهاية هذا الخلق المركب العجيب المتنوع والمتشابه، لكنه رغم تشابهه مختلف ومتفرد؟

 

فلو قال أحدهم: الذي صنع كل هذا هي الطبيعة، لاستمر السؤال على حاله: ومن الذي خلق الطبيعة وأوجدها من العدم؟

 

ولو قال أحدهم: لقد تيقنا علميًا بأن الكون مصنوع بلا خالق.

لقلنا له: هاتنا بهذا اليقين الذي تدعيه، ما برهانه وما الدليل عليه؟

ولا يمكن أن يكون برهانك هو التفسير العلمي للحدث أو الحركة أو مجرد التخيل وفرض الاحتمالات، لأن الاحتمال ينقضه الاحتمال المخالف، فالمطلوب هو برهان علمي حقيقي لا يستطيع العقل إنكاره ولا الهروب منه، وتنقطع به كل سبل الاحتمالات، يخبرنا بأنه ليس لهذا الكون خالق.

 

وسؤال من الذي خلق الكون، ليس سؤالًا ساذجًا أو أحمق، بل هو متناغم مع طريقة عقولنا في التفكير المنطقي والقياس، بما نملك من أدوات.

فنحن نعلم من البداية أن أجسامنا عاجزة عن الإدراك المجرد، فقد احتجنا للميكروسكوب، واحتجنا للكمبيوتر، والصاروخ والطائرة، والثلاجة والدراجة  واحتجنا لأدوات كثيرة لا تحصى، لتساعد أجسامنا على الاستكشاف، وإعطاء العقل مزيدًا من المعلومات للحكم، لأن العقل يحكم وفقًا لما لديه من معلومات مكتسبة، فالعقل ليس منشئ الأحكام، بل هو خاضع لما يملك من أدلة، وما يحيط به من أخبار وأحداث.

لذلك لما غابت عنه في بعض الأزمنة أدوات الطب، أنكر إمكانية الشفاء، فمثل هذه الأمراض لا يمكن الشفاء منها، وهذا الحكم نتج عن عجزه التام عن تصور الشفاء من مثل هذا، لكنه لما امتلك أدوات تساعده على إدراك إمكانية الشفاء من هذه الأمراض آمن بهذا وصدق، فكفره المطلق السابق لهذه الإمكانية لم يكن صحيحًا، لكنه كان ناتجًا عن العجز، عجز التخيل، وعجز امتلاك أدوات الترجيح، لأنه يحكم وفق إمكاناته المحدودة، فالعقل آلة رهيبة، وقوية، وعظيمة، لكنها تعمل وفق ما يضخ فيها ويُخزن، وبحسب ما معه من هذه المعطيات يبني استنتاجاته ورؤيته وأحكامه، التي تصيب أحيانًا وتخطئ أحيانًا، بحسب دقة هذه الأدوات والمعلومات.

 

وهذا العقل يسير وفق منظومة ثابتة، وهي: أعطني مدخلات، أعطك مخرجات وفق المعايير الثابتة التي عندي، فالعقل من خلال كل هذه السنون التي عاشها على الأرض، كون حقائق أدرك من تكرارها المستمر الأبدي، أنها لا يمكن أن تُكسر أو تتغير، وهذا موروث قديم أزلي، ولولا هذه المعايير ما استطاع الإنسان الحكم على شيء أبدًا، لأنها إن كانت معدومة، سيكون في كل مرة يريد الحكم، فاقدًا للمعيار الثابت الذي به يقيس ويحكم. وبمثل هذه الثوابت العقلية تمكن من البناء، مثل إدراكه بأن الكتلة الكبيرة لا تحركها إلا كتلة أكبر أو أقوى منها، وبمثل هذا أمكنه المقارنة، وبالمقارنة تمكن من الحكم على الأشياء والأفعال، وهذا يساعده على الدوام في عملية القبول والرفض والقياس والحكم.

 

والعقل البشري منذ يومه الأول يدرك حقيقة ثابتة راسخة، وهي أنه كلما رأى شيئًا منتظم العمل، دقيق الحركة، أو مصنوعًا بحرفة عالية، يترجمه بأنه لا بد أن له صانعًا، فمثل هذا لا يصنع من العدم أبدًا، والخرافة هي ادعاء البعض أن هذا الشيء المصنوع بدقة متناهية وحرفية عالية ليس له صانع. لأنه خالف بديهيات العقل الثابتة الصحيحة.

 

فلما رأى الإنسان تتابع الصيف والشتاء وسائر فصول السنة بشكل متتابع، ولما رأى تكوينه البدني وما فيه من عجائب مصنوعة بدقة عالية وحرفة ليس لها مثيل، ولما رأى الدواب تُطعم من طعام واحد ورغم ذلك تُخرج لبنًا مختلفًا طعمه، ولما رأى تربة واحدة يخرج منها الحلو والحامض والأحمر والأصفر، ولما رأى الماء فيه مالح وعذب، سأل عن الصانع، ولا بد له أن يسأل، لأن سؤاله متوافق مع طبيعة عمل عقله الطبيعية الصحيحة.

 

والسؤال عن الخالق، والبحث عنه قديم قدم البشرية، فقد وجدوا في كهوف مستكشفة، أن الإنسان القديم قد مارس الطقوس الدينية في كهفه، فما الذي جعل الإنسان البدائي القديم يعبد الله في الكهوف القديمة، أو يطلب الإله؟

هل كان هذا منه لاستشعاره ضرورة وجود خالق لهذا الكون، أكبر منه ومتحكم فيه. أم تقليدًا لأناس آخرين عبدوا الله من قبله؟

فإن قلت لاستشعاره ضرورة وجود خالق لهذا الكون أكبر منه ومتحكم فيه، فهذا يعنى أن رحلة البحث عن الخالق أو الشعور بوجوده، هو شعور إنساني حقيقي أساسي تطرحه طبيعة الطبيعة، أو تجبر الطبيعة العقل على التفكير في هذا السؤال على الدوام، لأن ما تعطيه للعقل لا يدل إلا على ذلك، ولا يؤدي إلا إلى استنتاجه.

ولو قلت بأن عبادته هذه كانت تقليدًا لأناس آخرين رآهم يعبدون الله، فهنا ينطبق عليهم ما ينطبق عليه، فما الذي جعلهم يعبدون الله أو يبحثون عن عبادته؟

وسوف يستمر هذا السؤال حتى نصل إلى الإنسان الأول الذي عبد الله في الأرض، لأن المدون والمعروف أن الثابت كان عبادة الله، والشواهد على ذلك كثيرة من آثار وحفريات ومستكشفات وكهوف الإنسان الأول، فعلى الدوام كانت صورة الإله حاضرة ومقدسة.

 

وكذلك، فإن فكرة ادعاء الألوهية التي ظهرت في العصور القديمة بين البشر، تعنى أن ثقافة وجود الرب والإله كانت هي السابقة، فلما جاء جبار من بني البشر، ووجد في نفسه مواصفات قريبة  – بحسب ظنه – من تلك المواصفات التي يتحدث عنها المؤمنون بالرب، دعا نفسه إلهًا، وأمر الناس أن تعبده من دون هذا الرب.

فلا يتصور، بل لا يمكن أن يكون ادعاء الألوهية هو الأصل وأساس البناء، لأن المعقول يقول: لو كان ادعاء الألوهية هو الأصل والمنشأ لاستتبع هذا عدة أسئلة.

 

كيف عرف مدعي الألوهية، أن الرب أو الإله شيء عظيم ومرتبة كبيرة حتى يدعيها لنفسه؟

– لا بد وأنه عرف هذا من شيء سابق، فالإنسان لا يدعي لنفسه شيء ليتفاخر به، إلا ولديه سوابق أخبرته بأن هذا الأمر فيه فخر ومكانة، وهذا يعني أن ثقافة وجود الرب كانت سابقة لفكرة ادعاء الألوهية، بما يعني أن الإله سابق للادعاء.

 

ولو كان هذا المدعي الأول، هو أول من ادعى أنه إلهًا بين مجموعته التي يعيش معها، فهذا يعني أنهم كانوا يفهمون مسبقًا معنى الرب والإله، وإلا لكان هذا المدعي يخبرهم بأمر لا يتصورونه ولا يعيرونه اهتمامًا، وهذا يعني أن ثقافة وجود الرب كانت سابقة لادعاء الألوهية؟

 

لأنهم لو كانوا يتصورن معنى الرب، فهذا يعني بأنه سابق لأمر ادعاء البعض الألوهية، إذا كيف عرفوه وتصوروه مسبقًا، وهو أول من دعاه لنفسه؟

أما إذا كان الذين أظهر فيهم دعوته، ونادى فيهم بأنه الرب، لم يتصوروا من قبل ولم يعرفوا معنى الإله، فهذا يعني أن مدعي الألوهية هذا، سيشرح لهم معنى كونه إلهًا، فيخبرهم بأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وأن عرشه في السماء، وأن له ملائكة عظامًا شدادًا، لا يعصونه  فيما يأمرهم، وأنه خالق النار التي لهم فيها منافع كثيرة.

لكنهم شاهدوا ولادته الأولى بينهم فهم يعرفون نسبه بينهم، وشاهدوا سعيه بينهم بالرمح والسكين ليتدبر قوت يومه، وشاهدوا خوفه من النار التي يدعي أنه ربها؟

ومثله ادعاء النبوة، فادعاء النبوة يعني أن النبوة سابقة، فالمدعي ليس هو المنشئ والأصل، بل النبوة، ولها انتسب المُدعي لعظمة مكانتها بين الناس.

والإنسان بطبعه مجبول على التقليد، ولا يوجد مبتكر صنع شيئًا إلا من وحي شيء رآه من قبل.

فلذلك كان ادعاء الألوهية مسبوق بوجود عقيدة قديمة تؤمن بالرب وتمجده، وادعاء النبوة كان مسبوقًا بنبي ظهر بين الناس وبلغهم رسالات ربهم فحاز المكانة، فقلده المدعي لذات الغرض.

 

فتطوير العجلة لم ينشأ أولا، بل أُنشِئت العجلة أولا، ثم طرأ عليها التطوير بعد، فكان الجميع بعد اختراعها مطورون لا مخترعون، كل منهم يضيف لها شيئًا جديدًا، لكن لو لم تخترع العجلة الأولى لما حدث لها تطوير وإضافات.

 

وإذا كانت بداية الحكم تنشأ نتيجة لما نمتلكه من معرفة كما يقول العقل، وإذا كان الحكم لا ينشأ إلا عن وجود محسوس كما يقول العلم، فها نحن لدينا خلق متراكب متداخل يخدم بعضه بعضًا، منسق ومنتظم عظيم جدًا في خلقه ودقته، ولدينا سؤال عقلي بديهي وبسيط وهو: من الذي خلق كل هذا الخلق العجيب المنتظم؟

 

وعليه، فالبحث والسؤال عن خالق هذا الكون وما فيه من تنوع كبير ورهيب وجميل، ليس هو الطرح الساذج، بل الساذج هو الانطلاق من أن هذا الكون وهذا الخلق، وهذا التنظيم، وهذا التناسق والترتيب ليس له صانع.

 

حتى أن الملاحدة لما وجدوا أن غالب نظرياتهم مبني أساسه على الظنون والتخمين، لجؤوا إلى العاطفة، فحركوا الناس ضد الإله عن طريق توجيه النظر والمشاعر نحو أفعال الإله لا وجوده. وهذا لا ينفي السؤال الأول: من الذي أنزل المطر؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد