لم يكن جورج فلويد هو الأول في مسلسل العنف والجريمة الموجهة من الشرطة الأمريكية البيضاء ضد المدنيين بشكل عام والسود الأمريكيين بشكل أخص، فقد نشرت صحيفة «الواشنطن بوست» دراسة بأن الأمريكيين السود الذين قتلوا على يد الشرطة الأمريكية في عام 2019 فقط قرابة 1024 مواطن أمريكي أسود، وقد خرجت الكثير من الاحتجاجات التي صاحبت مقتل بعض الضحايا على يد الشرطة أو الأمريكيين البيض، ثم برأت المحاكم الأمريكية القتلة جميعًا بالرغم من وجود الأدلة على تعمد القتل والعنف.. فما الذي تغير مع فلويد؟ ولماذا اشتعلت أمريكا بهذا الشكل المرعب لقيادات البيت الأبيض وساسته والمراقبين على حد سواء؟

حتى نفهم القصة لنعد للوراء قليلًا؛ لمحاولة فهم طبيعة التعامل العنيف من الأمريكيين البيض، ولا سيما أفراد الشرطة منهم ضد السود بشكل أخص، والأمريكيين الملونين من الأعراق الأخرى القادمة من آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بشكل أعم، فإذا تعرفنا على الدوافع فهمنا المعطيات الحالية ومآلات الأمور مستقبلًا.

تبدأ القصة مع بدايات القرن السادس عشر الميلادي حيث قام السكان البيض القادمون من بريطانيا إلى مستعمرتهم الجديدة في أمريكا باستقدام الأفارقة الزنوج قسرًا من أفريقيا التي كانت ترتع في تلك الحقبة من الزمن في بدائية شديدة من وسائل العيش، وأسلوب الحياة، فضلًا عن الجهل والفقر، وقد استعبدهم البيض قرابة الأربعة قرون من الزمان حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وقد أقر الكثير من المؤرخين أنهم قد استجلبوا من أفريقيا ما يقارب المليون إنسان، استعبدوهم في بيوتهم ومزارعهم حتى أنه كان للأسرة الأمريكية الحق في استعباد أربعة من العبيد وفقًا للقانون وقتها.

تلك النظرة الدونية من المجتمع الأبيض السائد في ذلك الوقت قد ترسخت في عقول ونفوس عشرات الأجيال، حتى في إعلان وقرار تحريرهم الأول على لسان الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن، كان إعلانًا عنصريًا بامتياز، حيث ذكر لنكولن في خطابه الشهير حرفيًا: «أنا لست، ولم أكن في أيّ وقت مضى، مؤيّدًا لجعل الناخبين أو المحلّفين من السّود، ولا للسّماح لهم بشغلِ أيّ منصب، ولا لأن يتزوّجوا من البيض، فأنا أؤيد الموقف المتفوّق للعرق الأبيض».

ذلك التعبير المفزع من شخصية سياسية تجلس على أعلى كرسي للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية يعكس طبيعة النظرة الدونية والعنصرية المستقرة في نفوس الكثير من الأمريكيين البيض، ولاسيما البروتستانت منهم القادمين من بريطانيا، والذين يملكون زمام الأمور في أمريكا منذ نشأتها حتى يومنا هذا، ولذلك لا تتعجب من ازدراء الأمريكي الأبيض لشريكه في المواطنة الأسود أو الملون، والتي تجعله في منزلة دنيا عن غيره في المجتمع في أغلب الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولذلك فإني أؤيد أن سبب نجاح أوباما في الانتخابات الرئاسية لدورتين كان ردة فعل مناوئة لسياسة بوش الابن الخارجية، والتي أقحمت أمريكا في مشاكل اقتصادية جمة، وليس حبًا في العرق الأسود أو رضا عنه، وإنما كانت المعطيات وقتها في صالح الديمقراطيين؛ ففاز أوباما بالانتخابات.

كما يؤيد وجهة نظري هذه نجاح ترامب في الانتخابات الأمريكية السابقة والذي رفع فيها بوضوح شعار: «أمريكا للبيض»، فقد فهم الرجل طبيعة ونفسية غالبية الشعب الأمريكي من البيض، والذين يمثلون 69% من السكان، فضلًا عن اليمينيين منهم؛ ولذلك كان التصويت لصالحه، على عكس هيلاري كلينتون وحزبها الديمقراطي، الذي دافع عن الأمريكيين غير البيض، ونادى بالمشاركة للجميع، و«أمريكا للجميع»، وقد نجح دونالد ترامب في إذكاء هذه العنصرية منذ فوزه برئاسة الولايات المتحدة بهجومه المستمر على السود والملونين، وكان أشهرها هجومه على نائبة مجلس النواب الأمريكية من أصل صومالي عن ولاية مينسيوتا إلهان عمر.

فما أشبه الليلة بالبارحة، فكلمات لنكولن العنصرية يكررها اليوم ترامب بتعبيرات أخرى، ولكنها بنفس العقلية المتغطرسة والنظرة الدونية للسود الأمريكيين، واتضح ذلك في طريقة تعامله مع المظاهرات والاحتجاجات التي خرجت مع مقتل جورج فلويد منذ الخامس والعشرين من مايو (أيار) الماضي حتى كتابة هذه السطور، حيث هدد ترامب عبر حسابه على «تويتر» باستخدام الرصاص ضد المتظاهرين واستخدام القوة لوقف التظاهرات، وإنزال الجيش وفرق الحرس الوطني لهذه الولايات؛ مما أشعلها في عامة أمريكا.

إنّ مفتاح نهضة أية أمة من الأمم يعتمد على مدى تماسكها ووحدة الصف الداخلي لها، فهو صمام الأمن لها من الفتن داخليًا وخارجيًا، ولا تتأتى هذه الوحدة إلا بالمساواة والعدالة بين كافة أطيافها وألوانها ومواطنيها سواء بسواء، فإن افترقت العدالة عن المساواة وقعت الفرقة والكراهية، وإن غاب الاثنان وقع النزاع بين أطياف وطبقات ومكونات وأفراد هذه الأمة.

ولعل بعض السياسيين من أجل تحقيق مصالحهم الوقتية في الحكم أو منافع مستقبلية لهم، يقومون باللعب على وتر العرقية أو الطائفية أو الطبقية لكسب الدعم والتمويل الذي يحتاجونه للبقاء على كرسي الحكم أمدًا طويلًا، ولا يدركون أنهم بهذا يوجدون شرخًا في نسيج المجتمع لا يمكن مع الأيام التئامه، ويكون سببًا مهمًا في سقوط هذه الأمة وانهيارها، فسيف الحزم لا يستقيم بدون سيف العدالة كالطائر الذي يكسر جناحه المعطوب، ثم يحاول الطيران.

ومن هنا نستطيع أن نقرأ المعطيات بشكل مختلف، فإن العنصرية المتأصلة في نفوس البيض، ولا سيما الشرطة منهم هي أحد أسباب اشتعال أمريكا بعد مقتل فلويد، ولكنها ليست كل الأسباب، فقد كان تعامل الرئيس الأمريكي ترامب العنيف مع الاحتجاجات وتصريحاته العنيفة المهددة بالسلاح والجيش سببا آخر في تأجيج الاحتجاجات واشتعالها وجلب الدعم والتعاطف من المواطنيين الأمريكين البيض والملونيين لنظرائهم السود، والخروج معهم ومساندتهم في تلك التظاهرات.

كما لا يجب أن ننسى المعطى الأهم في عنف التظاهرات التي خرجت وحجمها واتساعها في عامة الولايات الأمريكية وعمليات النهب التي صاحبتها لغالبية محلات الملابس وجمعيات الأغذية، هو وقت خروجها، والفترة الزمنية التي تحياها أمريكا الآن اقتصاديًا وصحيًا في ظل أزمة كورونا، حيث مات قرابة 100 أمريكي بسبب فيروس كورونا، فضلًا عن فقدان ما يقارب 40 مليون أمريكي وظائفهم، فأية لعنة حلت على رأس الحكومة الأمريكية وترامب! وأي فأل مشؤوم أصابهم بسبب مقتل جورج فلويد في هذا الوقت العصيب الذي يمر به العالم عامة، وأمريكا خاصة! حيث جمع المتعاطفين لقتله مع المفصولين من ظائفهم مع من فقدوا ذويهم بسبب كورونا لتشتعل الشوارع بهم.

لذلك أقولها بملء فمي إن سقط ترامب في الانتخابات القادمة سيكون مقتل فلويد هو القشة التي قصمت ظهر البعير، فجمعت كل أسباب السقوط على ترامب من غالبية فئات المجتمع الأمريكي، فقد فضح مقتله انهيار المنظومة الاقتصادية والصحية في ظل فيروس كورونا وعرت الظلم السياسي والعنصرية المجتمعية من اليمين الأبيض الحاكم وغياب الإدارة الحكيمة في التعامل مع الأزمات والفتن.

فهل ينجح الحزب الديمقراطي في استغلال مقتل جورج فلويد والاستفادة منها لكشف كل عورات ترامب وسوءات إدارته الاقتصادية والسياسية والصحية وضعفه في التعاطي مع أزمة كورونا وهدم المعبد فوق رأسه.. أم أن لعب ترامب على وتر العنصرية وعلو العرق الأبيض ونجاحه في جلب المليارات من الخارج سيعيده لكرسي الحكم مرة ثانية؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد