لا تؤيد حكومة لا تأمن على نفسك من شرها إن عارضتها.

تبدو هذه قاعدة يسيرة تقدم معيارًا سهلًا لتقييم الحكومات، و إجابة واضحة لسؤال العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ولكن لماذا لا يتبع هذه القاعدة (البديهية) إلا أقلية ضئيلة؟

بعيدًا عن الدائرة الضيقة من مؤيدي النظام؛ لأنهم جزء منه، حقيقة أو توهمًا منهم، أو حتى المشتاقين الذين يسعون لأن يكونوا جزءً منه، ويقدمون فروض الطاعة والولاء مقدمًا، أو حتى من يتعرضون لضغوط مباشرة لينضموا لمعسكر «نعم» شاءوا أم أبوا.

نجد دائرة أوسع، قوامها من المفعول بهم, من المواطنين العاديين الذين تقع عليهم سياط القمع والفقر، ولكن لا يفترون في تقديمهم الدعم غير المشروط، ولا المحدود، للنظام الذي يجلدهم و أبناءهم، فهل يمكننا أن نصل إلى تفسير لهذه الظاهرة غير العقلانية؟

الواقع أن هناك العديد من الدوافع التي يبرر بها الشخص سقوطه في يد الشيطان، حتى يعمل ضد مصلحته، وضد ضميره، ويأتي على رأسها:

الخوف: لم يوجد المستبد الذي لا يحتاج إلى ترهيب أتباعه منه ومن أعداء حقيقيين أو زائفين له, يعظم في حجمهم وشرهم باستمرار؛ حتى يصنع، ويعمق كراهية طاغية لهم في نفوس من يستبد بهم، تجعلهم يتحملون الضيم؛ نكاية في هؤلاء الأعداء, وتساعدهم في خداع أنفسهم، وعندما يتورطون ويضعون أيديهم في جفنه الدم بقبول أو تحريض يصبح رجوعهم غاية في الصعوبة، إلا أن تلقوا تأكيدات صادقة بالتسامح وعدم الانتقام، ولكن الكثير من معارضي الاستبداد يقعون في فخ المستبد الذي يريد تقسيم المجتمع لمعسكرين، ويعينونه على ذلك، ومع الاستقطاب الحاد المشوب بالعنف والإرهاب بأنواعهم وأشكالهم المتعددة، يدفع الأكثر ضعفًا والأقل قدرة على اتخاذ القرارات بأنفسهم للمعسكر الذي يبدون أكثر قوة, والذي يشيع أوهام المؤامرات، وأوهام الانتصارات والإنجازات للسيطرة على عقول أتباعه.

فكلنا نذكر يوم لاحت رايات انتصار «ثورة يناير»، فأصبح الجميع من أبنائها المخلصين, ثم انفض الجمع عدا قلة من المخلصين.

عدم الأمل: كل حضارات العالم شهدت استعمالًا واسعًا للعبودية أسوأ أنواع الاستبداد وأبعدها عن الإنسانية, وبالرغم من ذلك لم تقم جماعات العبيد بالثورة على مالكيها، بالرغم من كثرتها العددية التي كانت تصل للأغلبية في كثير من الأحيان، إلا فيما ندر، و لم يكن صبرها على الاستغلال البشع الذي تعرضت له، إلا لفقدانها الأمل في حياة أفضل إن ثاروا.

فمهما كانت حجم المعاناة، لا يوجد ما يدفع إلى التغيير، إلا الأمل في أن يكون البديل أفضل، وطالما ظل المستبد يوهم الناس بأن كلفة إزاحته أعلة من كلفة بقائه فلا خوف عليه.

ومع انعدام الأمل الحقيقي تروج الأوهام عن مستقبل مبهر لا يحتاج منا، إلا الصبر والثقة في القيادات الرشيدة التي تشاركنا الآلام، وتعمل لمصلحتنا التي تعرفها أكثر منا, ويصبح الفتات الذي يمنون به علينا مدعاة للحمد, وتصبح الجعجعة الفارغة أكبر تعبير عن الحرية.

انعدام الثقة: لتخرج من خانة المفعول به إلى خانة الفاعل، تحتاج لدفعة من الثقة. الثقة بالنفس، والثقة بمن يمثلونك، والحقيقة أننا تعرضنا لموجات مكثفة من الخداع الإعلامي، وفي كل مرة ننخدع ونبني مواقفنا على معلومات مغلوطة نفقد جزء من ثقتنا بأنفسنا، وقدراتنا على تمييز الصواب.

والأسوأ أننا صدمنا بخذلان الكثير جدًا ممن وهبناهم ثقتنا لنا, فالكثير ممن أسميناهم نخبة، وأنصتنا لآرائهم، ورددنا مقولاتهم باحترام، سقطوا أخلاقيًا في أعيننا بمواقف مخزية، لم يسترها عليهم أعداؤهم السياسيون، كما لم يستروا هم مخازيهم, فخلت الساحة ممن يمكن وصفهم بالقيادات السياسية والاجتماعية.

لأننا مستبدون: لا يمكننا تصور أن تاريخنا الطويل مع الاستبداد لم يطبعنا بطبعه، بل سمة اجتماعية صارخة أن التعصب ورفض الآخر كراهية المختلفين عنا يصبغ كافة مواقفنا السياسية والاجتماعية وحتى الرياضية, وكثير منا إن كانوا مع أنفسهم صادقين، اعترفوا بأنهم لا يكرهون الظلم إن وقع على من يخالفونهم عقيدة أو فكرًا.

فمتى يسكت صوت التصفيق النشاز؟

متى؛ لأنه سيقف حتمًا، إما بفعل منا، أو بطبيعة الأشياء, ولكن إن كان لنا دور في إيقافه فسيكون لنا من ثمار غيابة نصيب.

بداية، هناك خطأين في نظري في محاولات استشراف كيفية الخروج من هذا الجب، أولهما ترويج فكرة الوحدة بين المعارضين كشرط للوقوف أمام المستبد. والثاني التعويل على حراك شعبي واسع يدفعه الانهيار الاقتصادي أو انتهاك لا يمكن تحمله للحرمات.

وإن كان التوحد بين قوي المعارضة مستحيل؛ لأن بعضها يرفض وجودها من الأساس، ويراها مناقضة لأيديولوجيته العلمانية أو الإسلامية، فالأولوية هنا ليست لإقامة تحالف واه بين أطراف لا يثقون ببعضهم، وإنما لإقامة عقد اجتماعي بين مواطنين، قائم على مبادئ «المواطنة، و المساواة في الحقوق والحريات»، وإقصاء من يرفض هذا العقد لا يعدو إلا أن يكون رفضًا للاستبداد, فلا معنى للتحالف مع مستبد خارج السلطة ضد المستبد الحالي، إلا إن كانت المشكلة مع المستبد أنه ليس من أبناء قبيلتنا الأيديولوجية، بينما الاستبداد ذاته فلا عيب فيه.

أما توهم أن الشعب سيستيقظ ذات صباح، و يقرر أنه سيقوم بثورة عارمة تطيح بالسلطة وتسقط النظام وتشيد آخر، فليس إلا حيلة نفسية لتبرير التخاذل وتعليق الإحباط على شماعة الأوهام، فالحقيقة الاجتماعية الراسخة أن الغالبية العظمى من عموم الناس ليس لديها القدرة على المبادرة، وإنما تتبع القيادة الحاضرة التي تتخذ القرارات نيابة عنها، وتتخذ الخطوات اللازمة للدفاع عن حقوقها وحرياتها، أو تغتصبهم باسم الشعب الذي رفعهم على الأعناق، وهو يظن النير عقد ورود.

صوت التصفيق سيتوقف عندما تعلو أصوات غيرة تهتف بالحرية والحقوق، وتلك لن تعلوا، إلا بإلحاح على مضامينها في مجتمع فقد من ضمن ما فقد الكثير من قيمة ومعاييره وأصبح في حالة انعدام وزن.

الطريق لإعادة الأمل في نفوس الناس، وتكوين نخبة جديدة غير مستهلكة، وغرس مبادئ المواطنة والمساواة في أرض رويت بالظلم؛ حتى تشبعت، وإحياء المعايير الأخلاقية التي تجعلنا نرفض الظلم، وإن وقع على من نكره, طريق مرهق طويل.

ولكن في جمال الغاية ما يهون من طول الطريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

يصفق
عرض التعليقات
تحميل المزيد