يقترن الحديث عن الأوضاع السياسية في الدول الغربية غالبًا بمجموعة من المصطلحات السلبية فهي تمتلك أكبر احتياطي اضطرابات سياسية وحروب وجميع صفات ونواتج عدم الاستقرار السياسي في العالم، ولهذا فعندما يلتقي عربيان فإن السياسة تكون من أبرز الموضوعات التي يناقشونها، وغالبًا ما يذكر في إطار نقاش أسباب تردي الأوضاع في الدول العربية عنصران اثنان: الأول هو الأنظمة الحاكمة وأجهزتها الفاسدة كونها الرأس الذي إذا صلح صلح الجسد، أما العنصر الثاني فهو الشعوب، فالشعوب العربية تستحق ما يصيبها لأنها شعوب فاسدة كما تكون يولى عليها.

تمثل هاتان الجملتان: «إذا صلح الرأس صلح الجسد»، و«كما تكونون يولى عليكم» في ظاهرهما تناقضًا، لكننا في الواقع نتناقض كثيرًا في تبريرنا لكثير من الأمور، فنحن نستبشر في تأجيل الخير ونلتمس البر في تعجيله، لكن هاتين الجملتين وإن بدوا متناقضتين ظاهريًا، حيث ترمي واحدةٌ باللائمة على الحاكم، بينما الأخرى على المحكوم، إلا أنهما في الواقع يكمل بعضهما بعضًا، ويصفان العلاقة المعقدة بين الحاكم والمحكوم، وتأثير صلاح وفساد كل منهما على الآخر.

النخب السياسية والمجتمعية هي التي تجسد الصورة التي تصدر للخارج عن المجتمع، وتقود سياسات الحكومة الوضع الاقتصادي، وبه يتحدد الوضع المعيشي للمواطنين، وهو ما يؤثر على مزاجهم، ويلعب دورًا في تشكيل صفاتهم، لهذا نجد في الدول الفقيرة ما يسمى بثقافة الفقر كحالة مجتمعية يقضي فيها المجتمع على بذور الصلاح والنجاح في أفراده البارزين، كما يتسم أفراده بضيق الخلق كانعكاس لما يعيشونه من ضنك العيش، وينتشر بين أفراده في تعاملاتهم على جميع المستويات الفساد والغش والاستبداد.

بالإضافة لذلك فالدولة قادرة على أن تتبنى سياسيات مجتمعية عبر إعلامها وعبر القوانين التي تسنها وعبر تحكمها في التعليم على تشكيل الثقافة العامة للمجتمع على المدى الطويل. فالدول الغربية مثلًا تمكنت عبر سياساتها من نشر ثقافة المساواة وقبول الآخر وجعلت مجتمعاتها مؤمنةً بهذه الأفكار بحيث إن الأفراد يطبقون هذه المبادئ في تعاملاتهم اليومية دون الحاجة لوجود قوانين لفرضها. تعتبر كذلك تجربة الحزب النازي في ألمانيا مثالًا للتأثير السلبي للحكومة على المجتمع فقد تمكنت الماكينة الإعلامية للنازيين إبان الحرب العالمية الثانية من نشر الأفكار النازية بين أوساط المجتمع. أما في الدول العربية فإن الحكومات لا تبذل أي جهود في محاربة الممارسات الفاسدة والاستبدادية في المجتمع والتي بطبيعة الحال انعكاس لممارسات السلطة، بينما في الوقت ذاته تبذل هذه الحكومات جهودًا جبارة في نشر ثقافة الخنوع بين أفراد المجتمع والخوف من محاولات الإصلاح أو التغيير والاعتقاد باستحالة الجمع بين ثلاثية الأمن والعيش الكريم والحرية في المجتمع.

على الصعيد الآخر فالحكام في نهاية المطاف أفراد من الشعب لهذا تعكس معتقداتهم وسلوكياتهم معتقدات وسلوكيات الشعب ولهذا تقل احتمالية وصول نخب وطبقات حاكمة فاسدة في حال صلاح المجتمع وتزداد في حال فساد المجتمع. حتى وإن تمكنت طبقة فاسدة من الوصول للحكم في مجتمعات صالحة فإن المجتمع يقيد قدرة الحكومة من إحداث ضرر كبير على قيم المجتمع الصالحة.

تمثل أمريكا مثالًا على ذلك؛ فترامب القادم من خارج النخبة السياسية، والذي يتبنى أفكارًا تتعارض مع القيم الأمريكية، أو بالأحرى الصورة التي تصدرها أمريكا عن نفسها للعالم يجد معارضة شديدة من النخب السياسية والمجتمعية وبعض فئات المجتمع؛ مما حد من نفوذه، ولو كان الأمر لترامب لجعل من نفسه ديكتاتورًا لا يختلف نهائيًا عن حكام الدول العربية.

أما في حالة تمكن النخب الصالحة المستنيرة من تبوؤ القيادة في المجتمعات الفاسدة فهي غالبًا ما تكون بداية ازدهار الدول والمجتمعات وخروجها من دائرة التخلف إن تمتعت هذه النخب إلى جانب تبنيها منهجًا إصلاحيًا بالقوة والذكاء للتغلب على أعدائها من دعاة الرجعية الذين يرتزقون من حالة الفساد.

أكثر ما يعنيني في هذا الموضوع هو كيفية تطبيق هذا على المنطقة العربية. فنحن مثال للشعوب الفاسدة والطبقة الحاكمة الفاسدة والمفسدة، وهما بذلك يمثلان دائرة مغلقة يزيد كل منهما من فساد الآخر. إن الحل للخروج من أزماتها هو كسر هذه الدائرة بتمكين نخب صالحة جديدة من استبدال النخب القديمة لتصبح الطبقة الحاكمة الصالحة التي توفر عوامل إصلاح المجتمع فيصلح الرأس ويصلح الجسد ويولي علينا خيرنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد