أخرج الإمام البخاري – رضي الله عنه – في صحيحه حديثًا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول فيه: «لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا اللهُ خَلقَ كلَّ شيء، فمَن خلقَ اللهَ؟».

كما جاء بصيغة أخرى هي: «يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟ حتى يقول: مَن خلق ربَّك؟ فإذا بلغَه، فليستعذ بالله ولْيَنتَهِ».

وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، إذ أخبر بما سيحدث في المستقبل فحدث كما أخبر صلى الله عليه وسلم، يقول ابن حجر عن هذا الحديث: «وفيه علم من أعلام النبوة لإخباره بوقوع ما سيقعُ فوقعَ».

وفي عصرنا المتقدم! يقولون: إذا كان كل شيء موجود له علة لوجوده وخلقه؛ فما هي علة وجود الله ومن خلق الله إذا كان الله موجودًا؟

يمكننا أن نجيب على هذا ونقول:

أولًا: الوجود نوعان:

1_ الوجود النسبي «وهو الوجود الذي له بداية ونهاية» كالإنسان، وجوده نسبي لأن له بداية منذ مولده ونهاية بمماته.. والكون لأن له بداية لوجوده، وهذا ما أكد عليه العلم الحديث من خلال نظرية «الانفجار العظيم»، وله نهاية أيضًا.

2_ الوجود الثاني هو الوجود المطلق «وهو الوجود الذي ليس له بداية وليس له نهاية، أزلي أبدي، وجوده ذاتي» وهو الله عز وجل فقط. «الله بلغة الدين»، أو «اللا متناهي بلغة الفلسفة»، أو «الخالق بلغة البشر».

فنقول: إن كل موجود له علة لوجوده «ونقصد بذلك الوجود النسبي» لا المطلق.

ثانيًا: هناك حقيقة لا يدركها كثير من الناس وهي أن معظم من البشر مؤمنون بعلة موجِـدة لهذا العالم، والاختلاف الذي بين بعضهم إنما هو في تعريفها. فالعلة الأولى التي نشأ عنها هذا العالم كل العباد مؤمنون بها، حتى الملحدين الذين ينكرون الخالق في مفهوم الدين فهم يؤمنون بعلة طبيعية أو فيزيائية أو غيرها، فصار الإيمان بالعلة الأولى ضرورة عقلية.. والانحراف يكمن في تعريفها وتصورها.

ثالثًا: هناك فرق بين الخالق والمخلوق. فالمخلوق ما يحتاج إلى سبب لوجوده.

أما الخالق فلا يحتاج؛ لأنه يخلُـق ولا يُخلق!

ولأن وجوده ذاتي أي: أنه لا يحتاج إلى من يوجده؛ لأنه كامل، وغني عن الاحتياج. «ليس كمثله شيء».

أما كل موجود غيره فهو محتاج وناقص. لذلك يُطلق على الله واجب الوجود لأنه هو الوجود الأساسي الذي من خلاله أوجد كل الوجود النسبي الآخر.

رابعًا: هناك فرق بين أن يحتار العقلُ في معرفة الشيء، وبين أن يحكم باستحالة الشيء.

– فالمستحيل هو: ما كان عدمه ضروريًا بديهيًا، كاستحالة وجود أحمد في البيت إذا كان موجودًا بالنادي مثلًا.

فالحكم بالاستحالة هنا بديهي، لا يحتاج إلى دليل.

– أما ما يقول العقل بوجوده؛ لكنه يحتار في وصفه وتصوره.. فإنكاره جهل وقلة علم، لأنه ليس كل ما يحتار العقلُ عن إدراكه مستحيل الوجود.. فمثلًا: روح الإنسان موجودة وهي التي تُدير جسده، ومع ذلك فالإنسان بكل ما أوتي من التقدم والعلم لا يستطيع أن يُدرك أو يتصور حقيقة هذه الروح.. وفي الوقت نفسه لا يقول أحد إنها غير موجودة لأن عقله عاجز عن تصورها!

لذلك كان التوجيه النبوي الحكيم بأن نتفكر في آثار الله وخلقه وأن نترك ذاته المقدسة لعجز العقل عن إدراكها!

من خلال هذا العرض البسيط نُدرك خطأ قول السائل: من خلق الله؟

لأنه لم يُفرق بين الخالق والمخلوق، وصفات كل منهما. ولم يفرق بين الوجود المطلق والآخر النسبي. ولم يفرق بين مُحالات العقول ومُحارات العقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الله, خلق

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد