مقدمة

لا يكاد يوجد إنسان على سطح الأرض إلا وسأل نفسه هذا السؤال.. مَنْ خلق الله؟ إنه أحد أكثر الأسئلة التي تشغل بال كل الباحثين عن الإله العظيم، وللإجابة عن هذا السؤال لن أستخدم منطق رجال الدين الذي ينكر على السائل هذا السؤال؛ فقط لأنه جعل من الله خالقًا ومخلوقًا في نفس الوقت، فعندما تقرر بأن الله هو الخالق، ثم تسأل من خلقه، فإنك تكون قد جعلت منه خالقًا ومخلوقا، وإنها لإجابة غير مقنعة أبدًا، إذ إنه من الممكن أن تجتمع صفة المخلوق والخالق في شخص واحد، فالإنسان في نهاية المطاف عبارة عن خالق صغير وأعني بخالق بأنه كيان عاقل قادر على الإبداع والتصنيع، فالسيارات والطائرات، والهاتف، والتلفاز، والكمبيوتر… إلخ، كلها أشياء من صنع الإنسان وخلقه، وفي نفس الوقت هو مخلوق لم يكن له يد في صنع نفسه، والله عندما مدح نفسه في القرآن الكريم قال: «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين»، أي أنه لم ينكر صفة الخلق على غيره، فطالما أنَّ الإنسان له قدرة على الصنع والابتكار، فهو خالق أو صانع صغير، من أجل ذلك سأتخذ منحى آخر للإجابة، أو بمعنى أدق ليس الإجابة على هذا السؤال، بل لأوضح للناس أنَّ هذا السؤال لا يصح ليس لأنه سؤال فاسد، وإنما بسبب نقص المعلومات المتوفرة لدينا لحل هذه المعضلة الكبيرة.

فلسفة المكان والزمان

أولًا وقبل كل شيء يجب أن نعرف ما هو الزمان؟ وما هو المكان؟ إلى الآن لا
يعرف العلم حقيقة عن كنه الزمان والمكان شيئًا، وكل ما يعرفه هو القوانين الناظمة لهما والظواهر الطبيعية الناجمة عنهما.. هل لهذا المكان نهاية؟ ماذا يوجد بعد المكان؟ أهو مكان آخر له قوانين أخرى غير تلك التي نعرفها أم أنه عالم آخر من نوع آخر! يحكمه وجود آخر، شيءٌ غير المكان والزمان، هل مفاهيم مثل فوق وتحت ويمين ويسار هي مفاهيم خاصة بالإنسان نفسه أم أنها تشمل كل العوالم؟ ما معنى شيء ليس له بداية وشيء ليس له نهاية؟ كل هذه الأسئلة ولم نزل في صندوق الكون ولم نخرج عنه حتى الآن.

حقيقة العالم الرباني

إذا أتينا إلى الصانع العظيم والخالق الجليل، فإنَّ ذاته تشكل سر الأسرار وغيب الغيوب، إننا لا نعلم عنه أي شيء، لا نعلم من هو، وما هو جوهره وكنهه، وهل الإله موجود ضمن الزمان والمكان كما نعرفهما؟ أم أنَّ له زمانًا ومكانًا من نوع آخر، في عالم لا تحيط به الحروف ولا تقربه الأمثله، أم أنَّ الرَّبَّ لا يحويه أي عَالَم ولا يضمه مكان ولا يجري عليه الزمان، بل هو مصدر العوالم وصانعها؟

اختلاف شكل العوالم

 لو أخذنا عالم الأحلام مثالًا، ففي المنام نمشي ونضحك ونرى ونسمع ونأكل ونشرب ونعيش فيلمًا كاملًا دون أن ندري أي شيء عن هذا العالم، ودون أن نعلم في أي مستوى من الوجود موقعه، كل ما هنالك نكون في عالم الدنيا، وعندما نضع رأسنا على الوسادة، وخلال ثانية زمن نصبح في مكان آخر لا نعلم عن حقيقته شيئًا، ولكنه في نهاية المطاف نوع من أنواع الحيوات وإن كانت حياة منحطة لا تضاهي حياتنا ونحن في حالة اليقظة، ولو أتينا إلى عالم الشاشة، فإننا نشاهد داخلها فيلمًا سينمائيًا يشكل انعكاسًا مطابقًا لحياتنا بكافة تفاصيلها وأشكالها وصورها، أشخاص يتكلمون وسيارات تمشي وطائرات تطير وهي تقطع المسافات الشاسعة، وكل هذا بالنسبة إليك مجرد صور متحركة داخل شاشة التلفاز، ولكنه أيضًا عالم من نوع آخر، إنه عالمنا الحقيقي كما هو بعد نقله بحذافيره إلى داخل الشاشة، فما بالك لو صار لهذه الشخصيات التي تتحرك داخل الشاشة إدراكها ووعيها الحقيقي كما لو كانت خارج الشاشة، عندها ستعيش في عالم جديد، وهي لا تعلم أنها داخل شاشة.

فلسفة العقل البشري

دعك من الكون وعجائبه وتعال معي إلى الإنسان نفسه، إلى الآن لا زال هذا الإنسان جاهلًا لذاته غير مدرك لها، نحن نستخدم العقل للإجابة على صانع العقل، والعقل هو أداة برمجية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، أي أن الفهم والوعي والإدراك هي أشياء تمت برمجتها للتعامل مع هذا العالم، والعقل لا يتفاعل مع العالم إلا من خلال الحواس، بالتالي السؤال الذي يطرح نفسه، هل ما ندركه من هذا العالم هو الحقيقة الساطعة له أم أنَّ الحقيقة شيء آخر؟ على سبيل المثال باب بيتك الذي يملك عرضًا، وقدره متر ونصف وطولًا مقداره مترين ونصف، بهذا الشكل المستطيل واللون الأسود، هل هو الحقيقة الساطعة له أم لا؟

فلو فرضنا أنَّ مخلوقًا واحدًا فقط من بين ملايين المخلوقات الموجودة على سطح الأرض قد رآه بشكل آخر غير هذا الشكل الذي نراه فيه، فإن هذا الشكل المستطيل للباب الذي نراه عبارة عن شكل وهمي خاص بالإنسان فقط، والحقيقة المطلقة له لا يعرفها إلا الصانع، كما أنَّ مسائل مثل القرب، والبعد، وفوق، وتحت، ويمين، ويسار، وقبل وبعد هي أشياء خاصة بهذه البرمجة العقلية، فلو كانت تركيبة عدسة العين كالمجهر فسوف نرى الفيروسات والبكتيريا مثلما نرى أي شخص آخر، ولو كانت عدسة العين البشرية كعدسة العين السحرية لباب المنزل، فسوف نرى الباب المقابل لبيتنا بعيدًا عنا ومخالفًا للحقيقة، فإذا فتحنا الباب وجدناه قريبًا منا وعرفنا أن عدسة الباب السحرية كانت تخدعنا وهي تبعده عنا، إن العقل مجرد آلة تمت برمجتها لتدرك العالم بهذا الشكل، بالتالي خارج هذه الآلة المبرمجة المسماة الإنسان، ما هي الحقيقة المطلقة، ما هي حقيقة المكان والزمان والقرب والبعد والكبر والصغر، قد تنهار كل القوانين التي نعرفها ونكتشف أننا أمام قوانين برمجية تمت برمجتها لهدف معين.

السبب الرئيس لقصور المعرفة عن الغيب

 قد تكون المعرفة بسيطة جدًا، ولكن الذي عقدها عنا هو غياب أدوات إدراكها، ربما يكون هناك حواس إضافية لم نُمنَحها، شيء آخر غير السمع والبصر، ووجود هذه الحواس يحل المعضلة كلها، فلو فرضنا جدلًا أنَّ الإنسان قد جاء من المصنع الرباني بلا أذن، وبلا حاسة السمع، ولا أقصد من كلامي أنه مخلوق أصم، بل إن الله قد نزع منه صفة السمع، وجعل منه كائنا حساسًا مبصرًا فقط، بالتالي لو بقينا مليون سنة نشرح له عن الأذن والسمع والأصوات والموسيقى، فلن يفهم علينا أي شيء، والسبب هو غياب الأداة التي تدرك هذه الأشياء عنه منذ بادية تكوينه وخلقه، سيقول لك ما معنى أذن، وما معنى سمع، وما معنى صوت، وسوف يعيش حياة طبيعية ولن يحزن لأنه لا يملك السمع؛ لأنه بالأساس لا يعرف ما معنى سمع بالتالي القضية ستكون بالنسبة إليه طبيعية جدًا.

فلو زرع الخالق فيه ميزة السمع مرة أخرى، فإنه سيفهم هذه الأشياء خلال ثانية واحدة، وسوف يغنينا عن شرح لا فائدة منه، هناك أشياء يحتاج فهمها إلى التذوق لا إلى الشرح والبيان، نحن لا نستطيع توصيف مذاق الموز ولو كتبنا عن ذلك كتابًا كاملًا، ولكن قطعة صغيرة على اللسان تحسم الأمر كله، إذًا القضية قضية غياب الأدوات اللازمة للمعرفة، بالتالي مهما شرحنا وفصلنا، فإنَّ الشرح لا يعدو أن يكون عبثًا لا طائل منه، ووجود أدوات الإدراك الإضافية سيحسم القضية، وأعتقد أن الرب قد حرم الإنسان هذه الأدوات على الأقل في عالم الدنيا؛ لأنه لو منحنا إياها الآن لفقدت المسابقة معناها، ولانكشفت الذات الإلهية علينا، ولم يعد هناك أي معنى لهذه المسابقة.

إذًا ما هو الجواب على سؤال من خلق الله

قبل الإجابة على سؤال من خلق الله يجب أن نجيب على مئات وربما آلاف الأسئلة حتى نصل إلى هذا السؤال، نحن أمام معادلة رياضية كل أطرافها عبارة عن مجاهيل، والمشكلة تكمن في أننا نتعامل مع الغيب وكأنه كون يشبه كوننا بالضبط بنفس القوانين والأنظمة، لا يمكن للعقل الإنساني، ولا بأي شكل من الأشكال أن يتخيل أنَّ هناك شيئًا يعيش بلا زمن أو أنه موجود باللامكان، كما أن العقل لا يمكن أن يخرج عن دائرة الحواس وما توفره هذه الحواس من معلومات، هل تصورت يومًا أن هناك شيئًا تقف عنده الأشياء، ولا شيء فوقه، أو أن هذا الشيء هو الأكبر، ولا يوجد شيء أكبر منه أو لا يوجد عن يمينه شيء، ولا عن شماله.

قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف حقيقة المكان والزمان والأبد والخلود وأشكال العوالم التي يحتويها الوجود بكافة أشكاله وصوره، ومن هنا نقول أن السؤال ليس فاسدًا، ولكنه سؤال لا يمكن الإجابة عنه لكثرة مجاهيله، ماذا لو تمت برمجة الإنسان بشكل آخر عما نعرف، عندها ربما نرى الصغير كبيرًا والكبير صغيرًا، وربما كان الزمن سالبًا يسير نحو الخلف بدلًا عن الأمام، نحن أمام معادلة مستحيلة الحل، ليس لأنها مستحيلة، بل لأننا لا نملك من المعرفة شيء، إننا نجهل عالمنا، ونجهل نفسنا، فكيف بالعوالم الأخرى التي لا نعرف عنها أي شيء، وكيف بصانع الوجود العظيم.. وكيف ولماذا ومتى ومِنْ أين وإلى أين.

«ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل. لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير. قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد