هناك في منطقة رمادية اللون، مشوشة المعالم، متحركة الأطراف، متزلزلة الأركان، يقف هؤلاء في منطقة أسموها الحياد، خدعونا حينما علمونا يومًا ما بأن الصحافة لابد أن تكون حيادية موضوعية، فما هو الحياد، وماذا يعني الوقوف في المنتصف؟ وهل المنتصف مكانٌ مناسب للتأثير في الأحداث؟

ظهر مفهوم الحياد أول مرة في التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية وتضاربت الآراء حوله، فمنهم من رأى فيه السبيل الوحيد لخلاص القسم الأعظم من أخطار الالتزامات والخلافات الدولية.

هكذا ذكر في كتاب تطور مفهوم الحياد عبر المؤتمرات الدولية عبد المنعم زنابيلي 1977،

إذن هو وسيلة للتخلص من أية التزامات أو هروب من أي مسئولية، حتى لو كانت مسئولية إنسانية!

الحياد يعني السكون

ولكن كل شيء من حولنا يعكس حالة من عدم الحياد، فكل شيء إذا تساوت كفتاه توقف عن الحركة، فإذا تأملنا مثلًا حركة البندول في النظريات الفيزيائية الذي يتحرك يمينًا ويسارًا محولًا الطاقة الحركية إلى طاقة صوتية أو ربما حرارية إذا ارتطموا ببعضهم البعض، ولكن ماذا لو توقف، لن تتولد الطاقة بالتأكيد!

إرضاء كل الأطراف في القصص والروايات هل يفوز كل الأطراف ويعيش الجميع في سعادة وسرور والبطلة تتزوج البطل ويختتم بتتر النهاية السعيد، هل الحياد يصنع فرقًا ليكون قادرًا على صناعة سعادة!

فقد قال مارتن لوثر كينغ جملته الشهيرة: «إن أسوأ مكان في الجحيم مخصص لأولئك الذين يقفون على الحياد في المعارك الأخلاقية الكبرى».

حتى في ديننا الإسلامي ورد مفهوم «حنيفًا» أي مائلًا عن الباطل إلى الدّين الحقّ، أي ليس في منطقة حيادية بل في منطقة منحازة للحق مبتعده عن الضلال والإثم.

والآن هل أصبح الحياد منطقة الأمان، هل التشويش من حولنا جعلنا نفقد بوصلة التعرف على الحق من الباطل، وبالتالي الركون في المنطقة الرمادية هو صمام الأمان.

الحق بيِّن والباطل بيِّن، والحلال بيّن والحرام بيِّنٌ لكن بينهما أمورًا مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس كما أخبر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وتبقى الحكمة واليقظة بعدم الانزلاق في مكان الشبهات وفي المناطق الرمادية.

اخترت ألا تختار

حينما نتوقف عن الاختيار يُختار لنا، وحينما نقف على الحياد فنحن نثقل كفة الباطل ونخفف من كفة الحق، الحق الذي قد يختفي من أمامنا من كثرة انتشار الباطل، فيصبح من قادر على رؤيته من هو أكثر الناس بصيرة وحكمة وصفاءً وتجردًا للحق.

المسيح الدجال في كل زمن

يأتي المسيح الدجال وفتنته التي يقلب بها موازين الحق فيجعل الحق باطلًا والباطل حقًّا، يستخدم المعجزات التي قد تعجز عن تفسيرها العقول، ولكن وسط كل هذا هناك من سيرى على جبهته «كافر» من هم؟ هم من صدقوا وكانوا من هؤلاء الحنفاء أي المائلين عن الباطل المتبعين للحق.

واليوم في عالمنا العربي سيظل هؤلاء الذين رقصوا على السلالم لم يسمعهم من فوقهم ولم يساعدهم من تحتهم، ولكنهم يرقصون، يرقصون على الجثث، ويتندرون بالأمجاد، يتحدثون أجمل الكلمات، ولكنهم أجساد بلا أفعال.
بل أجساد بلا أرواح.
نعم أموات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السلالم
عرض التعليقات
تحميل المزيد