كانت تجلس على المنصة المواجهة للحضور في ذلك المؤتمر الأكاديمي. امرأة حنطية البشرة، ذات شعر أرجواني قصير، ووشم مميز بحروف عربية على ساعدها الأيمن. عرّفت نفسها لاحقًا بأنها باحثة من أصل عراقي تعمل في مركز أمريكي للأبحاث الأمنية ومكافحة الإرهاب،كان بحثها يدور حول سؤال بعينه:

هل نشهد نهاية العالم كما تريدها داعش؟

لم يكن هذا هو البحث الأول من نوعه الذي يطرح تلك الفكرة. تزعم الفكرة ببساطة أن داعش ليست كأي منظمة إرهابية تنفذ عمليات تخريبية عشوائية، بل هي كيان يمتلك خطة واضحة يسعى بها لتحقيق نبوءة نهاية العالم كما ترويها كتب التراث الإسلامي. الرايات السوداء، حروب آخر الزمان، وظهور المهدي المنتظر… كلها علامات تعمل داعش على قدم وساق لتحقيقها طبقًا لوجهة النظر تلك.

 

“لم يكونوا يمتلكون ولو نسخة واحدة من القرآن”
صحفي فرنسي يروي ظروف اختطافه لمدة عشرة أشهر على أيدي مقاتلي داعش.

 

“منذ أسبوعين، أصدر عمدة مولينبيك قراره بإغلاق إحدى حانات بروكسل بعد تكرار حوادث استعمالها كوكر للمخدرات. بعدها ببضعة أيام، فجّر مالك الحانة نفسه أمام مقهى باريسي تحت راية داعش”.
من تقرير لبيزنس إينسايدر عن أحد منفذي عمليات التفجير الأخيرة في باريس.

 

“وكجانب من استعداداتهما للحاق بمقاتلي داعش في سوريا، أظهر سجل مشترياتهما على الإنترنت شراءهما لنسخ من كتب كيفية تعلم الإسلام للحمقى وكيفية تعلم القرآن للحمقى قبيل سفرهم لسوريا”.
من تحقيق للجارديان عن شقيقين بريطانيين اعترفا بانضمامهما للقتال في صفوف داعش على الرغم من ضحالة معرفتهما بالإسلام.

تتناقض تلك الروايات إذن مع الفكرة التي يتبناها العديد من الأكاديميين الغربيين الذين يفضلون التعامل مع داعش باعتبارها كيانًا دينيًا يعتنق أفكارًا هدامة يسعى لنشرها بقوة السلاح، عن التعامل معها باعتبارها ناتجا ثانويا اكتسب شعبيته بعد أعوام من الحرب والقمع وانسداد الأفق.

لا يختلف الكثيرون على الدور الذي لعبه الغرب والولايات المتحدة على وجه التحديد في بداية صعود نجم داعش. غزو العراق وما استتبعه من تسريح لجيش صدام حسين، يليه تسليح الطوائف العراقية ضد بعضها البعض، ثم الانسحاب المتسرع من أراضي العراق.. كلها عوامل ساهمت في ظهور داعش.

ما يختلف التقدير عليه فقط، هو ما تلا ذلك من أخطاء. فالبعض يلوم الولايات المتحدة على عدم تدخلها المبكر لحسم الموقف لصالح قوى التغيير الديمقراطي في بداية الحرب الأهلية السورية، ويرى أن التأخر في التدخل هو الذي سمح بتوغل داعش في سوريا. في حين يتبنى البعض الآخر وجهة النظر المناقضة، ويرى أن داعش لم يكن لها أن تنمو تسليحيًا لتلك الدرجة لولا تورط الولايات المتحدة لاحقًا في دعم مقاتلي الجيش الحر بالسلاح والعتاد ثم تسرب هذا السلاح لأيدي مقاتلي داعش.

يتبادل الأطراف القذف بورقة المسئولية عن صعود داعش لبعضهم البعض، كشايب الكوتشينة الذي لا يريده أحد. يختلفون فيما بينهم على من يستحق اللوم، لكنهم لا يرون مفرًا في النهاية من مواجهة المشكلة.

فقط يبقى السؤال الأهم: كيف؟

تصنف المراجع السياسة الجماعات الإرهابية لصنفين: صنف قابل للتفاوض، يهدف بالأساس لتحقيق مكاسب سياسية، ويلجأ للعنف كوسيلة للضغط على خصومه. وصنف غير قابل للتفاوض، لا توجد جدوى من أي محاولة للوصول لحل سياسي معه، ولا يُنصح بالتعامل معه سوى بالعنف.

ربما لهذا السبب بالتحديد، يلوح أن الحل المفضل للدول الغربية حاليًا قد انحصر في شن الحرب على داعش، خاصة بعد تصاعد ثمن فاتورة الدماء لتشمل من كانوا من قبل في مأمن من الصراع.

منذ بدء العمليات العسكرية ضد داعش، كان الخيار منحصرًا في شن غارات جوية على أهداف يُعتقد أنها تابعة لمقاتليها. كانت التصريحات الرسمية دائمًا ما تؤكد نجاح تلك الغارات في تحقيق أهدافها دون خسائر بشرية تذكر. لكن الواقع هو أن أحدًا لا يملك في حقيقة الأمر سلطة الإطلاع على التقارير الرسمية لتلك الغارات، لكونها معلومات عسكرية سرية لا يحق للمدنيين الإطلاع عليها إلا بعد مرور بضعة أعوام على تاريخ انتهاء العمليات العسكرية طبقًا لقانون تبادل المعلومات الأمريكي، لا يتبقى أمامنا إذن سوى تصديق تلك الأرقام الرسمية المتفائلة.. أو البحث عن مصدر بديل.

الحروب الجوية أو Airwars هو موقع تأسس على أيدي مجموعة من النشطاء والصحفيين الدوليين المستقلين بهدف توثيق نتائج الغارات الجوية على داعش في العراق وسوريا. رصد الموقع حتى اليوم سقوط ما يترواح بين 653 و2000 مدني مقابل رصد قوات التحالف لسقوط 20000 مقاتل من صفوف داعش كنتيجة لتلك الغارات، وهو الرقم المرشح للتضاعف في حالة التوسع في عمليات القصف الجوي.

بطبيعة الحال، هناك من لا يجد غضاضة في سقوط هذا العدد الكبير أو حتى أضعافه من المدنيين باعتباره ثمنًا لامفر منه للتخلص من كابوس داعش. لكن العديد من المحللين يحذرون أن اللجوء لهذا الحل الدموي سيتسبب في تفاقم الأزمة على المدى البعيد وسيؤدي لنمو الظهير الشعبي المؤيد لداعش رغبة في الانتقام لضحايا الغارات الجوية.

على الجانب الآخر، يؤكد بعض الخبراء العسكريين أنه لا بديل عن الحرب البرية كوسيلة للاشتباك المباشر مع قواعد داعش دون التضحية بآلاف المدنيين. وهو الخيار الذي يحجم عنه الغرب؛ لارتفاع تكلفته وبطء نتائجه، حيث قد تمتد مواجهة كتلك لما يقدر بقرابة الثلاثة عقود.

“وحدهم الموتى من شهدوا نهاية الحرب”.  
أفلاطون

تبدو جميع الحلول العسكرية وكأنها تدور في نفس الحلقة الدموية المفرغة. تتصاعد الأصوات المطالبة بحل سياسي للأزمة السورية. حل لا يلجأ لنفس البدائل الغربية السهلة التي أثبتت فشلها مرة بعد مرة. حل لا يغض الطرف عن دور بعض الأنظمة العربية في زراعة ورعاية بذور الأصولية والتطرف في مجتمعاتنا. لا أحد يدعي أن حلًا كهذا يمكن الوصول إليه بسهولة، خاصة مع تعقد الصراع وتشعب أطرافه. لكن الثابت أن الحل السياسي قد أصبح الآن ضرورة ملحة حماية للجميع. لأن الشعوب حين تنعدم لديها فرص الحياة.. لا يتبقى لديها بديل سوى الموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد