ما رأيك في المواطن الذي أيّد الثورة منذ يومها الأول؟ وما رأيك في المواطن الذي أعلن الحرب على الثورة منذ شرارتها الأولى؟

عذرًا يا صديقي، إجابتك في الوقت الحالي لا تشغلني كثيرًا, فأنا الآن أواجه سؤالًا أكثر صعوبة وأرجو منك مساعدتي في إيجاد جواب يريح فكري المنهك منذ سنوات, ما رأيك في المواطن الذي أيّد الثورة والإخوان والفلول والشرعية والانقلاب والحرية والاستعباد والتغيير والاستقرار وكل أولئك معًا؟

أعطني تفسيرًا سياسيًّا أو نفسيًّا لأولئك الذين لم يقولوا لا – طيلة حياتهم- كي يطمئن قلبي.
أثناء متابعتي للمؤتمر الاقتصادي ومشاهدتي لتلك الفرحة الجمّة التي طغت على قلوب الفئة التي أتحدث عنها, تذكرت موقفًا تعرضت له في إحدى سيارات “الميكروباص” في القاهرة, كان يوم 21 ديسمبر 2011، وكانت الاشتباكات مشتعلة بين المتظاهرين وقوات الشرطة في ميدان التحرير، فيما أطلق عليه وقتها أحداث مجلس الوزراء.

أحد الركاب بجواري – ويبدو أن سنّه قد جاوز الستين عامًا بقليل- بادر بالحديث عن المجرمين المتواجدين في الميادين بحجة التظاهر واستكمال الثورة، وكيف أنهم أقدموا على طعن الإنسانية والحضارة بخنجر مسموم، وقاموا بحرق المجمع العلمي وفيه كتاب “وصف مصر”.

ذكرته أن عدد الضحايا حتى اللحظة التي كنا نتناقش فيها وصل إلى 15 قتيلًا وأكثر من 1200 مصاب أغلبهم من الشباب صغار السن, وأن الشاب مثلهم في الدول المحترمة حياته تساوي ألف كتاب, فالبشر هم الأساس من أجلهم تؤلّف الكتب وتدرّس العلوم وتُبنى المدارس والجامعات.

فكان رده الصادم الذي أنهى أية محاولات للنقاش بأن البلد بها عشرات الملايين من البشر، لكن هذا الكتاب لا نمتلك منه سوى نسخة واحدة. لا يشغلني الآن من الجاني والمتسبب في الحريق, فالأهم هو من الذي أوصل الإنسان إلى تلك المرحلة التي يهتم فيها بالورق على حساب البشر.

بعد ساعات تابعت المستجدات على مواقع التواصل الإعلامي، فوجدت مقطعًا متداولًا لإعلامية شهيرة تتحدث عن حرق المجمع العلمي، وتقول ذات الكلام والمصطلحات والأفكار التي سمعتها منذ قليل, وتاريخ عرض المقطع كان في اليوم السابق للقائي بالرجل المسنّ الذي نقل إلى أذني ما سمعه منها – أو من زملائها- دون تحريف.

منذ ذاك اليوم بدأت معركتي النفسية مع الذين لم يقولوا يومًا لا, وأنا هنا أضع يدي على الظاهرة ولا أدّعي قدرتي على إيجاد تفسير أو حل لها.

في جمعة الغضب رأيت من يتهمونني وأصدقائي بالفوضى والتخريب لمشاركتنا في الثورة, وسمعت عبارات ثابتة وجامدة يرددها هؤلاء جميعًا (مصر مش زي تونس) و(الراجل ده كفاية إنه 30 سنة مجنبنا شر الحروب) و(صبرت 30 سنة اصبر كمان 6 شهور) و(اعتبره أبوك يا أخي.. ترضى حد يعمل كده في أبوك؟), كانت المعركة عظمى ولا تحتمل إضاعة الوقت في النقاش مع هؤلاء، فقد بدأنا الطريق وسنستكمله للنهاية, بعد أسبوعين وجدناهم يرقصون بجوارنا في الشوارع احتفالًا بسقوط الرئيس المخلوع حسني مبارك.

قالها أحدهم بعلو الصوت: الله أكبر ثورتنا نجحت! ثورتكم؟ ماذا فعلتم وبم ضحيتم كي تكون ثورتكم؟ ألم نكن نحن الخونة وأنتم الشرفاء قبل أيام؟ الآن صارت ثورتكم؟ على كل حال هي ثورة الشهداء والمصابين, ولا داعٍ لجدال يفرّق ولا يجمع, لعل الله هداهم فلنظن بهم خيرًا.

في اليوم التالي نفس الأشخاص يحدثونك عن ضرورة الهدوء والاستكانة وإعطاء البلد فرصة للنهوض, ويحذرونك من الفوضى والمجاعة وأن أية أحاديث عن استكمال الثورة والقصاص للشهداء وما إلى ذلك هي بمثابة إعلان وفاة للوطن المكلوم، فلنصبر جميعًا.

إذًا.. هل تريدوننا أن نتخلى عن الثورة؟
لا الآن قد حان الوقت لكنس الشوارع ودهن الأرصفة وأعمدة الإنارة ورسم صور الشهداء على الحوائط, نحن ندعمكم في ثورتكم طالما أننا لا نشعر بها, ومظاهر الثورة عندنا أهم من الثورة نفسها.

ثم سلسلة متوالية من الأحداث التي تشابهوا فيها جميعًا, بعد أن أيدوا الثورة بدأوا في مهاجمتها قبل الترحّم على أيام النظام السابق, وشاركوا في استفتاء مارس ثم الاستحقاقات الانتخابية المتتالية, وأيّدوا الإخوان ثم لعنوهم.

رأيت بأم عيني من هتف بحياة الرئيس محمد مرسي بعد خطابه في 26 يونيو 2013 – قبل الانقلاب بأيام- لأنه أخيرًا قرر أن يبدأ في التطهير الثوري, ثم رقص يوم 3 يوليو 2013 فرحًا بعد إعلان الفريق السيسي الإطاحة به والانقلاب عليه.

إذًا فالشعب أخيرًا قد عرف طريقه للثورة والغضب, فلتخلعوا الإخوان, أختلف معكم ولكن أحترم رغبتكم وحرصكم على التغيير, فهل ستكملون ثورتكم وستظلون في الميادين حتى تحقيق مطالبكم؟

الإجابة لا, فقد اكتمل المشهد وحصل خالد يوسف على لقطته المميزة، ومرت ثورة الساعات الستة بسلام، وحان الآن موعد العودة للبيوت والسيسي وحاشيته هم من سيتولون أمر ثورتهم المباركة.

أولئك الذين صدّقوا أن الملايين سوف تنهال عليهم بعد رحيل الإخوان, وآمنوا بأن الكفتة يمكن أن تصبح علاجًا لفيروس سي, وانتظروا دورهم في الوحدات السكنية المجانية وعربات توزيع الخضار التي ستنهي علاقتهم بالبطالة, واقتنعوا أن الحكومة ستوفر لهم الدجاجة بـ 75 قرشًا – أرخص ثمنًا من البيضة والكتكوت– هم أنفسهم الذين تابعوا بحماس بالغ المؤتمر الاقتصادي حاملين في أيديهم الأعلام ورددوا معًا “مصر قريّبة” وإن سألتهم عن رأيهم في المستقبل, سيخبرونك بأنهم في انتظار رحلة مكوكية إلى الجنة سيصطحبهم فيها السيسي أثناء بناء مصر الحديثة.

على كل حال, لا جديد لديهم. مرّ المؤتمر وسينسونه كما نسوا ما سبقه وسينتظرون كذبة جديدة يصفقون لها ويرقصون في سبيلها، ولن يقولوا يومًا لا, محظوظون هم حكام هذا الشعب الذي لا يعترض, ولا يعترض على عدم رغبته يومًا في الاعتراض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد