يتساءل الكثير منا عما يمكن أن يفعله في ظل ذلك الظلم المستشري في كل أنحاء العالم، فمن الصعب حاليا أن تجد بقعة على الأرض ولا يكسوها الظلم بشكل أو بآخر، ظلم عقائدي أو ظلم بدني أو ظلم مالي، فهل يعيش كل منا لنفسه فقط يؤمن مطعمه ومشربه ويحصل من المتع والمتاع كل ما يستطيع، هل لهذا خلقنا؟! وهل لهذا أنزلنا الله من الجنة إلى الأرض؟

فإذا كان كل منا مطالب بأن يغير المنكر بكل ما أوتي من قوة فكيف نتصرف بسلبية تجاه كل ما يحيط بنا من منكرات، فالقتل منكر والظلم منكر والاحتكار منكر وإفقار الشعوب منكر وسرقة الممتلكات عامة منكر، كيف لا نغير تلك المنكرات التي تنمو إلى مسامعنا في كل وقت بطريق مباشر أو غير مباشر، وإذا لم يكن الجهاد لتغيير تلك المنكرات ففيم يكون؟

يخبرنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن «من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق» (صحيح مسلم)، فلا يكفي إذا أن نعيش في الدنيا بدون أن نظلم ولكن يجب أيضا أن نحارب الظلم، لا يكفي أن نعيش بدون أن نسرق بل نحارب السرقة، ولكن كيف أحارب الظلم وأنا بلا سلطة أو سلاح؟ وكيف أغزو وتحت أي راية أغزو؟ أم أن كلنا على شعبة من نفاق!

وحتى نخرج من طائلة النفاق من هذا الباب لابد أن نغزو المنكر ونغيره بأيدينا أو أن نموت ونحن نعد العدة للغزو، نموت ونحن نجمع العلم والمال الذي يمكننا من محاربة الظالمين وكفهم عن ظلمهم، نموت ونحن ننشر العلم بين الناس ليتحرروا من قيود الظالمين، نموت ونحن نمسك معاولنا التي نهدم بها معاقل الظالمين، نموت ونحن نغير كل منكر بأيدينا.

وإذا أردت دليلا عمليا عن غزو الظالمين فلك في المسلمين الأوائل القدوة والأسوة الحسنة، فعندما رأى أبو بكر الصديق الظلم الواقع على بلال بن رباح، حارب ذلك الظلم بما كان يملك في وقتها، فهو لم يكن يملك القوة التي يمنع بها أمية بن خلف من تعذيب بلال ولكنه كان يملك المال الذي اشترى به بلال من أمية ثم أعتقه، فحارب الظلم بما آتاه الله من المال واستخدم المال لتغيير المنكر الذي رآه.

ومثال آخر عندما اشترى عثمان بن عفان بئر رومة من مالكه في المدينة، ذلك المالك الذي كان يحتكر حاجة الناس الأساسية من الماء ويظلمهم، فغير عثمان المنكر بأن اشترى البئر من مالكه وتركه لنفع المسلمين، وهكذا فعل المسلمون الأوائل، لم يركنوا إلى أنه ليس لهم دولة قوية تستطيع محاربة الظالمين ولم ينتظروا لحين تكوين كيان لهم يحاربون من خلاله، بل حارب كل منهم طاقته حتى إذا تكونت الأمة وصارت الحرب حربًا تقليدية بين دولة المسلمين في المدينة ودولة المشركين الظالمين في قريش كانوا على أتم استعداد لقتال الظالمين بالسلاح كما قاتلوهم بالعلم والسلاح والنفوذ من قبل.

إذاً فليس غزو الظلم بالدعاء على الظالمين فحسب بل بمحاربتهم في ظلمهم وإبعادهم عن مناطق نفوذهم على المظلومين، ففي كل محاولة منك في السيطرة على مساحة من مساحات نفوذ الظالمين غزو لهم، وفي كل سوق تغزوه كان محتكرا هو غزو للظالمين وفي كل مجال علمي تتفوق به وكان حكرا على تابعي الظالمين هو غزو للظالمين، «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (سورة التوبة)

ماذا إن لم يكن لدي مال أو علم أو نفوذ لأغزو بهم؟ كيف أحدث نفسي بالغزو إذاً؟

أما تحديث النفس بالغزو فيكون بإعداد العدة لذلك الغزو، بكل علم تتعلمه لتغزو به يومًا ما وبكل مال تكتسبه – من حلال – لتغزو به يومًا ما وبكل نفوذ تحصل عليه لتقض به مضاجع الظالمين يومًا ما، ولكن ليس بالتمني بل بالتخطيط والاجتهاد، فالفرق بين التمني وتحديث النفس أن تحديث النفس يكون بالتخطيط المحكم (بعد التوكل على الله) ثم بذل كل جهد ووقت لتنفيذ تلك الخطط.

عسى أن تقوم للأمة راية فنغزو الظالمين جميعًا، عندئذ يتفرق من حدث نفسه بالغزو ومن ركن إلى حاله ويئس وأساء الظن بالله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد