تدخل المعارك التي اندلعت بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) في إقليم تيغراي الإثيوبي مراحلها الأخيرة بين قوات الحكومة الفيدرالية من جهة وقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الحزب الحاكم للإقليم الواقع شمال البلاد والذي كان على رأس التحالف الذي حكم إثيوبيا منذ سقوط نظام منغستو هايلي ماريام عام 1991 وحتى وصول رئيس الوزراء الحالي أبي أحمد إلى السلطة 2018.

وبعيدًا عن الأسباب الكامنة وراء الصراع الحالي نجد أن الصراع يأخذ شكلًا آخر غير العمليات العسكرية.

وبالرغم من أنه من الطبيعي تخوف السلطة الحاكمة في أديس أبابا من وجود قيادات في الجيش الإثيوبي يشك في ولائها (تنتمي إلى إقليم تيغراي)، فاضطرارها لاستبعادهم على ما قد يسببه ذلك من شعور بالغبن والاستهداف من أبناء التغراي، إلا أنه قد يكون متفهمًا ولو بشكل مؤقت حتى تحسم الأمور.

مع ذلك تشير التقارير إلى أن الحكومة الإثيوبية ذهبت أبعد من ذلك فقد ذكرت «فورين بوليسي» أنه وفقًا لتقرير داخلي للأمم المتحدة. فإن قوات الأمن الإثيوبية قامت باعتقال الجنود المنتمين لعرقية المنتشرين في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في الخارج وإجبارهم على السفر في رحلات جوية إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث يخشى تعرضهم للتعذيب أو حتى الإعدام.

ومع ذلك يبدو من الغريب أن يطال الاتهام الموظفين الأمميين الإثيوبيين – من التغراي – المدنيين. أبرز اتهام هو ما طال رئيس منظمة الصحة العالمية الدكتور تدروس أدحنوم غيبريسوس، ولم يأت الاتهام من جهة سياسية أو دبلوماسية، بل من قائد الجيش الإثيوبي الجنرال برهانو جولا في مؤتمر صحف في 19 نوفمبر إن الدكتور لم يدخر جهدًا لدعم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ومساعدتهم في الحصول على أسلحة، قوله أَيْضًا «لا نتوقع منه أن يقف إلى جانب الإثيوبيين ويدين هؤلاء الأشخاص. لقد كان يفعل كل شيء لدعمهم، لقد قام بحملة من أجل الدول المجاورة لإدانة الحرب».

وبالرغم من ذلك لم يقدم أي دليل يدعم مزاعمه. في المقابل نفى رئيس منظمة الصحة العالمية، الدكتور أدحنوم غيبريسوس، الاتهامات التي وجهها قائد الجيش الإثيوبي بأنه ساعد في شراء أسلحة لجبهة تحرير تيغراي الشعبية. وكتب على «تويتر» كانت هناك تقارير تشير إلى أنني منحاز إلى جانب في هذا الموقف. هذا ليس صحيحًا. وأضاف «أريد أن أقول إنني في جانب واحد، وهذا هو جانب السلام، قلبي ينفطر على بيتي، إثيوبيا، وأدعو جميع الأطراف إلى العمل من أجل السلام وضمان سلامة المدنيين والوصول إلى المساعدة الصحية والإنسانية».

وإذا ذهبنا منقبين في سيرة الرجل لمعرفة ما وراء استهداف شخصية مدنية تشغل أعلى منصب قيادي في منظمة أممية فستنتابنا الحيرة بلا شك. في عام 1986 وبعد حصوله على بكالوريوس العلوم في علم الأحياء من جامعة أسمرة. في إريتريا التحق بوزارة الصحة الإثيوبية في عهد نظام الدرق السابق كخبير مبتدأ في الصحة العامة، ودرس في كلية لندن للصحة والطب المناطق الحارة وحصل على درجة الماجستير في العلوم في علم المناعة من الأمراض المعدية من جامعة لندن.

وفي عام 2000 حصل على دكتوراه في الفلسفة في صحة المجتمع من جامعة نوتنغهام عن بحثه آثار السدود على انتقال الملاريا في منطقة تيغراي في إثيوبيا. في عام 2001، تم تعيين تيدروس رئيسًا لمكتب الصحة الإقليمي في تيغراي. في أواخر عام 2003 تم تعيين تدروس وزير دولة (نائب وزير) للصحة، وعمل لمدة تزيد قليلًا عن عام، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2005 عين وزيرًا للصحة في إثيوبيا. من قبل رئيس الوزراء الإثيوبي مَلَّس زيناوي كوزير للصحة، تمكن تيدروس من تكوين علاقة وثيقة مع شخصيات بارزة بما في ذلك الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ومؤسسة كلينتون ومؤسسة بيل وميليندا جيتس.

في نوفمبر 2012 أصبح تيدروس وزيرًا للخارجية كجزء من التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الوزراء هيلي مريم ديسالين ليشغل هذا المنصب من نوفمبر 2012 حتى 2016. ومن المرجح أن سبب تعيينه وزيرًا للخارجية هي الرغية في الاستفادة من علاقاته الدولية التي كونها في طيلة عمله في وزارة الصحة لجلب الدعم للمشاريع الحكومية.

كما أن الجانب التنموي كان هو الغالب عليه إبان شغله منصب وزير الخارجية. من قبيل تسيلطه الضوء كرئيس للمجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في عام 2014، على الحاجة إلى نقلة نوعية في الحوكمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأفريقيا وتنميتها لتحقيق جداول أعمال القارة على المدى الطويل. وشدد على ضرورة تركيز أفريقيا على قضايا التحرر الاقتصادي والسلام والاستقرار وتسريع النمو الاقتصادي السريع والحكم والديمقراطية. خلال فترة ولايته، واعتمد الاتحاد الأفريقي خطته التنفيذية العشرية الأولى لأجندة 2063.
ولن نتحدث عن الفترة منذ توليه إدارة منظمة الصحة العالمية – حتى الآن – كونها تجربة خارج إطار إثيوبيا.

ولكن يتجدد السؤال الملح لماذا تستهدف الحكومة الإثيوبية شخصًا كمدير منظمة الصحة العالمية، وما الذي ستجنيه من ذلك. بالنظر إلى الموقف الأمريكي فيبدو أن إدارة ترمب مؤيدة للحكومة الإثيوبية في حملتها العسكرية على الإقليم المتمرد، ولكن وصول الديمقراطيين قد يحمل سياسة مختلفة كما أننا أشرنا إلى العلاقة الوثيقة للدكتور تيدروس مع شخصيات بارزة بما في ذلك الرئيس الأمريكي (الديموقراطي) السابق بيل كلينتون، فهل تخشى الحكومة الإثيوبية أن يطول أمد الحرب أو أن يتحول إلى صورة أخرى (حرب عصابات)، ولن ترغب حينئذٍ أن يجد الطرف الآخر مساندًا دبلوماسيًا يملك علاقات دولية وطيدة.

الجزم بهذا أو ذاك غير ممكن الآن، ولكن الأمر الواضح هو أساليب الممارسة الديمقراطية للسلطة مازالت تعد من الخيال في القارة الأفريقية، إن الأنظمة المتعاقبة ما فتئت تمارس ديموقراطية الفئة الغالبة (العرقية) حيث تهمَّش المهزومة وتغتال معنويًا أي شخصية مؤثرة يمكنها تمثيلها حتى بالشكل السلمي، وهذا يطرح سؤالًا حول مفهوم الهوية عند شعب تتعدد فيه الانتماءات ما بين عرقية ودينية، مع تراكم لإرث احتكرت فيه التنظيمات ذات الطابع العرقي تمثيل الشعوب التي تنتمي إليها.

من المفارقات التي على الحكومة الإثيوبية التعامل معها بوعي مع انتهاجها حل الحسم العسكري كحلٍ أوحد هو علم إقليم تيغراي (النظام في إثيوبيا فيدرالي يتيح لكل إقليم حكومة محلية، وعلمًا خاصًا) هو نفسه علم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وقد تفسر محاولة تغييره كرغبة في إهانة أبناء الإقليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد