كنت قد تحدثت في مقال سابق يحمل نفس عنوان المقال الحالي عن نظرية التطور الموجّه عن طريق الله، وكيف أنها لا تتعارض مع النص القرآني ولكنها فقط تتعارض مع التفسيرات الضيقة للنص، ثم جاءت العديد من التعليقات التي تحمل انتقادات معقولة جدًا فحاولت الإجابة على أكبر عدد من هذه التعليقات، ولكنَّ تعليقًا واحدًا ورد ذكره كثيرًا فقررت أن أُفرد له مقالًا مستقلًا، وهو التعليق الخاص بعدم وجود دليل علمي على نظرية التطور، لذا سوف أبدأ بعرض سريع لأهم الأدلة العلمية التي تشرح التشابهات بين الكائنات الحية والتي تصب في مصلحة هذه النظرية وفكرة الأصل المشترك، مسترشدًا كما في المقال الأول بكتاب “كيف بدأ الخلق” لد. عمرو شريف، مع بعض المصادر الأخرى.

 

  • أدلة التشريح المقارن Comparative Anatomy:
  • التشريح المقارن يظهر التشابه المدهش في تكوين الكائنات الحية كعظام الأطراف الأمامية المتشابهة بين الثدييات على سبيل المثال، سواء كانت هذه الثدييات تعيش في الماء أو تطير أو تمشي على الأرض.
  • وجود حالات بين النساء ينمو فيها ثدي زائد مما يدل على أن الإنسان احتفظ ببراعم أخرى لإنتاج أثداء أكثر كما في باقي الثدييات ولكن هذه ضمرت ولم يبق سوى اثنين، فإذا كان الإنسان خُلق خلقًا مباشرًا لم إذن توجد لديه هذه البراعم الضامرة؟
  • وجود ما يسمى بالأعضاء الأثرية Vestigial structures وهي أعضاء موجودة في بعض الكائنات دون أن يكون لها وظيفة بينما نفس الأعضاء لها وظيفة في كائنات أخرى؛ مثل عضلات تحريك الأذن الضامرة لدى الإنسان، والمخلب الأثري الموجود في الكثير من الحيوانات كالكلاب، هنا نجد مرة أخرى أن فكرة الخلق المباشر لا تفسر خلق الكائن الحي بأعضاء ضامرة هو ليس بحاجة إليها.
  • يُظهر التشريح المقارن الحلقات الوسطى بين الكائنات الحية كالبرمائيات التي يتنفس صغارها عن طريق الخياشيم أما عند البلوغ فيتنفسون عن طريق الرئة، وبالتالي تعتبر حلقة وسطى بين الأسماك والزواحف، والحيوان المدرّع Armadillo الذي يمثل الحلقة بين الزواحف والثدييات فهو يُرضع صغاره كالثدييات ولكنه يبيض كالزواحف.

 

  • أدلة النشأة الجنينية:

يوجد تشابه مذهل بين الكائنات المختلفة أثناء الفترة الجنينية، فأجنّة الفقاريات ومنهم الإنسان لديهم خياشيم وذيول على سبيل المثال دون أن تكون هناك حاجة لتلك الأعضاء.

 

  • أدلة سجل الحفريات:

سجل الحفريات الذي زاد ثراؤه بشكل كبير منذ وقت داروين يوضح التتابع في ظهور الكائنات الحية على الأرض، فتوجد أوقات كانت فيها كائنات معينة هي المسيطرة ثم تنقرض لتخلفها كائنات أخرى، وهذا التتابع في الظهور لا يتوافق مع نظرية الخلق المباشر التي لو كانت صحيحة لوجدنا حفريات جميع الكائنات في كل الحقب الزمنية التي مرت على الأرض.

يوضح سجل الحفريات أيضًا الحلقات الوسطى بين الكائنات الحية، وهو مستمر في إيجاد المزيد من هذه الحلقات، مثال على ذلك حفرية الأركيوبتيركس وهو زاحف ظهر عليه الريش كخطوة انتقالية إلى تكوين الطيور.

هذا بالإضافة إلى أن هذا السجل يحتوي على حفريات عديدة تشير إلى أشباه الإنسان، كحفريات الإنسان المنتصب Homo erectus وإنسان نياندرثال Homo neanderthalensis والتي تشير إلى أن الإنسان مر بمراحل تطورية إلى أن وصل لصورته الحالية.

 

  • أدلة البيولوجيا الجزيئية :Molecular Biology

نختم عرض أدلتنا بأدلة البيولوجيا الجزيئية، والتي تعتبر أقوى الأدلة على وجود الأصل المشترك بين الكائنات الحية لأنها لا تتناول التشابهات الظاهرية بل تتناول التشابهات العميقة التي تصل إلى مستوى الجزيئات المسؤولة عن تكوين هذه الكائنات. من هذه الأدلة:

  • إذا نظرنا إلى النظام الذي تتبعه الكائنات الحية لحفظ وترجمة البيانات الوراثية نجدها واحدة في جميع الكائنات، فالحمض النووي أو الدنا DNA الذي يحمل بصمة الكائن الوراثية ينقل معلوماته عن طريق جزيء الرنا RNA كي يتم ترجمتها إلى بروتينات.
  • الدنا DNA في جميع الكائنات الحية يتكون من نفس القواعد الأربع الذين يرمز إليهم بـ A وT وC وG.
  • البروتينات في جميع الكائنات الحية تتكون من نفس الأحماض الأمينية العشرين رغم وجود العديد من هذه الأحماض في الطبيعة.
  • تستخدم جميع الكائنات الحية نفس السبل الأيضية لإنتاج الطاقة.
  • التشابه الواضح بين الكائنات في تسلسلات الجينات التي تؤدي نفس الوظائف. مثال على هذا التشابه هو الجين المدعو أيلس eyeless المسؤول عن تشغيل آلية صنع العين، وقد لاحظ العلماء تشابه هذا الجين بين الإنسان والفأر وذبابة الفاكهة، هذا التشابه أغرى العالم الكبير والتر جيرينج بأن يجري تجربة جريئة، وهي إدخال جين أيلس سليم قادم من الفأر على ذبابة فاكهة عندها عطب في هذا الجين فلا تستطيع تكوين العين. النتيجة المذهلة كانت أن الجين عمل بكفاءة هائلة وصنع عينًا للذبابة بأن شغل آلية صنع الأعين لديها.
  • التطابقات المذهلة في العديد من البروتينات بين الأنواع المختلفة؛ فمثلًا إنزيم السيتوكروم سي cytochrome C المكون من مائة وأربعة أحماض أمينية متماثل تمامًا بين الإنسان والشمبانزي، ويختلف بدرجات متفاوتة بين الإنسان وباقي الكائنات وفقًا لبعد أو قرب الأصل المشترك زمنيًا.
  • وجود الجينات الكاذبة pseudogenes يُعد من أقوى أدلة وجود التطور، فهذه الجينات فقدت وظيفتها لدى أنواع معينة من الكائنات واحتفظت بهذه الوظيفة في كائنات أخرى، مثلها مثل الأعضاء الأثرية ولكن على مستوى الجينات. الإنسان لديه العديد من هذه الجينات كالجينات المسؤولة عن إنتاج مستقبلات الشم Olfactory receptors والتي أصبح العديد منها لدى الإنسان غير نشط، بينما هي في قمة نشاطها لدى الحيوانات كالكلاب والفئران لتساعدهم على تمييز روائح أكثر بكثير من الإنسان. مثال آخر له أهمية خاصة هو الجين المسؤول عن إنتاج بروتين اسمه MYH16 وهو أحد البروتينات المسؤولة عن تكوين عضلات الفك، فهذا الجين به عطب جعله غير نشط لدى الإنسان ولكنه نشط لدى جميع القردة العليا، مما أدى إلى ضعف عضلات الفك لدى الإنسان بالمقارنة بهذه القردة، وسبب أهمية هذا الاكتشاف هو أن الكثير من العلماء يرون فيه تفسيرًا لاختلاف حجم مخ الإنسان عن باقي القردة العليا، فعضلات الفك موصولة بالجمجمة وعندما تكون قوية لا تسمح بتمدد الجمجمة أكثر من حجم معين، لذا فضعف هذه العضلات لدى الإنسان كان سببًا في تخفيف الضغط على الجمجمة مما مكنها من التمدد أكثر لاستيعاب مخ أكبر أكثر تعقيدًا. مرة أخرى تفشل نظرية الخلق المباشر في تفسير خلق الكائنات بجينات معطوبة غير نشطة كما فشلت في تفسير خلق الكائنات بأعضاء أثرية.
  • ظلت هناك مشكلة أمام فكرة التطور والأصل المشترك تتعلق بأن عدد الكروموسومات البشرية (وهي التي تتكون من الدنا DNA) هو 46 كروموسومًا (23 زوجًا) أما عدد كروموسومات القردة العليا كالشمبانزي والغوريلا هو 48 كروموسومًا (24 زوجًا)، فكان السؤال هو لماذا هذا الاختلاف لو أن للإنسان والقردة نفس الأصل؟ لم يفتّ هذا في عضد المؤمنين بالتطور الذين خرجوا بالتفسير الوحيد المقنع لهم وهو أننا حتمًا أخطأنا في إحصاء عدد الكروموسومات البشرية. بالطبع لم يكن هذا كافيًا فعكفوا على إثبات صحة هذا الحدس إلى أن نالوا مرادهم باكتشاف أن أأأئتكروموسوم 2 في الإنسان هو في الحقيقة عبارة عن كروموسومين منصهرين لهما ما يقابلهما في كروموسومات القردة العليا، وبهذا تحول التنبؤ المبني على نظرية التطور إلى حقيقة علمية مما يدعم بقوة صدق هذه النظرية.

بعد هذا العرض السريع والمختصر للأدلة العلمية أريد أن أعلق على نقطتين هامتين يحتج بهما أنصار الخلق المباشر ضد نظرية التطور وهما:

  • أن التطور لا يزال “نظرية” غير مثبتة لأنه لم يحدث أن شاهدنا كائنًا من نوع ما يتحول إلى كائن من نوع آخر، ولكنّي أحذر هنا من عملية الخلط بين كلمة “نظرية” بمفهومها العام ومفهومها عند العلماء، فنحن عندما نقول على فكرة ما أنها “نظرية علمية” هذا معناه أنها مؤيدة بأدلة قوية وإن لم تكن مطلقة، ومثل هذا ينطبق على معظم النظريات العلمية كالنظرية النسبية والنظرية الذرية واللتين تحظيان بمصداقية هائلة في الوسط العلمي، إذن فالعلم نادرًا ما يتعامل مع المطلقات وهذا مهم لتقدُّمه. لهذا ونظرًا لتراكم الأدلة التي تؤكدها، أصبحت نظرية التطور من أكثر النظريات مصداقية في الوسط العلمي، ورغم أننا لم نر كائنًا يتحول بين الأنواع، هذا التحول الذي يقال عنه macro-evolution، لأن مثل هذه التحولات قد تأخذ الملايين من السنين، فنحن بالتأكيد رأينا في المعامل التغييرات التكيفية الأصغر micro-evolution والتي عن طريق الاستدلال الاستقرائي نستطيع أن نستنتج حدوث التغيرات الكبرى من تراكم مجموعة من هذه التغيرات الأصغر. ليس معنى هذا أن نظرية التطور لا تقبل النقد ولكنها ستظل النموذج الأفضل لدينا لشرح خلق الكائنات الحية حتى يخرج علينا أنصار الخلق المباشر بأدلة أقوى تدعم نظريتهم أو على الأقل تدحض نظرية التطور، وهو ما لم يحدث إلى الآن رغم ما يزعمه بعض هؤلاء من أن العلم أثبت خطأ هذه النظرية، فهذه الادعاءات إنما هي أساطير تم تناقلها بكثرة حتى أصبحت بمثابة الحقائق في أذهان الكثيرين.
  • أن التشابه بين المخلوقات إنما يدل على أن المصمم واحد وهو الله وليس على الأصل المشترك، لأن أي مصمم يمكن التعرف عليه من بصمته الخاصة التي يتركها في تصميمه. تتفق نظرية التطور الموجّه مع هذه الفرضية في مسألة أن المصمم هو الله ولكنها تختلف معها فيما دون ذلك، فهذه الفرضية قد تفسر التشابهات بين الكائنات بالفعل مثل التشابهات التشريحية والوراثية وغيرها، ولكنها تفشل في تفسير باقي الأدلة العلمية كتتابع الكائنات في الحقب الزمنية، ووجود الأعضاء الأثرية، والجينات الكاذبة، وغيرها من الأدلة التي ترجح كفة التطور على الخلق المباشر.

للتلخيص، في المقال السابق ناقشنا عدم تعارض النص القرآني مع فكرة التطور الموجّه، وفي هذا المقال ناقشنا الأدلة العلمية القوية التي تؤيد هذه الفكرة، وهذا لا يتركنا إلا أمام عاملين هما سبب مقاومة فكرة تطور الإنسان ولا علاقة لهما بالعقيدة أو بالعلم من قريب أو بعيد، وهما:

  • الغرور البشري كما نوهت في المقال السابق الرافض لمبدأ تساوي الإنسان مع غيره في طريقة الخلق، وهنا أسأل سؤالًا: بم ميز الله الإنسان عن باقي المخلوقات؟ الإجابة هي: العقل الذي هو أساس تكليف الإنسان والذي لم يُتح لأي كائن آخر، إذن فالتمييز لم يأت من وسيلة الخلق التي لا تضيف أو تنتقص أي شيء من الإنسان أو من عقله.
  • المقاومة الغريزية للتغيير الموجودة لدى البشر، ولتصبح هذه النقطة بارزة في العقول فلنفترض جدلًا أن الاعتقاد السائد أثناء نزول الديانات كان هو التطور، وبناءً عليه عكف علماء الدين على تفسير النصوص الدينية في هذا الضوء، ثم جاء أحدهم في القرن التاسع عشر وقال أن الخلق تم عن طريق الخلق المباشر وليس التطور، ترى ماذا سيكون رد الفعل وقتها؟ لا شك عندي أن الهجوم سينهال على هذه الفكرة الجديدة التي لا تتوافق مع التفسيرات التراثية، كما أن من سيحاول أن يبين عدم تعارض النص وهذه الفكرة سيتم اتهامه بمحاولة لي عنق النص لصالح فكرته، تمامًا كما يحدث الآن مع نظرية التطور.

في ختام كلامي عن هذا الموضوع، أريد أن أؤكد أني لا أسعى من وراء هذا المقال أو الجزء الأول منه إلى إقناع أحد بنظرية التطور الموجّه كوسيلة للخلق، بل فقط أريد أن أدعو الناس إلى تحرير فكرهم وتحرير النص الديني من الفهم التراثي الضيق الذي يهضم حق هذا النص الرحب، كما أدعوهم إلى محاولة رؤية الجمال الحقيقي القابع خلف آلية التطور، والإعجاز فيها الدال على خطة بارعة متكاملة الأطراف وممتدة عبر ملايين السنين لا تأتي إلا من خالق حكيم قدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد