اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني.. وعشان كده مصر يا ولاد حلوة الحلوات

تلك كانت كلمات الشاعر سيد حجاب التي غناها علي الحجار في تتر مسلسل بوابة الحلواني الشهير، الذي كان يصور فترة حكم الخديوي إسماعيل، بعد أن استمعت إلى الكلمات السابقة.. اختر الإجابة الصحيحة من بين الأقواس: الحلواني الذي بنى مصر كان …… (قبطيا، يهوديا، علمانيا، لا شيء مما سبق).

الامتحان (open book) ويسمح باستخدام كتاب التاريخ للإجابة عن السؤال السابق، افتح معي باب تاريخ مصر الحديث.. ستجد أن محمد علي هو باني نهضة مصر الحديثة، فهو الذي أنشأ الجيش المصري النظامي من الفلاحين المصريين بعد أن تخلى عن الجنود الشراكسة والأتراك والأكراد لطبيعتهم المتمردة، كما أنشأ الأسطول المصري الذي اعتمد في بدايته على شراء السفن من أوروبا، ثم أنشأ ترسانة الإسكندرية، وأنشأ عددًا من المدارس الحربية لمختلف القطاعات، فأسس مدرسة لأركان الحرب، ومدرسة لتدريب جنود الأسطول في رأس التين، ومدرسة للمدفعية في طره، وغيرها من المدارس.

كما اتجه إلى تصنيع السلاح حفاظا على استقلالية دولته وعدم وضع أصابعه تحت أضراس الدول الأجنبية؛ فأنشأ مصنعًا للأسلحة والمدافع في القلعة، ومصنعًا للبنادق في الحوض المرصود، وثالثًا في ضواحي القاهرة، وبلغ مجموع إنتاج المصانع الثلاثة 36 ألف بندقية شهريًّا بخلاف الطبنجات والسيوف.

واهتم بالتعليم اهتمامًا بالغًا، فقام بإرسال عدد من البعثات إلى الدول الأوروبية لنقل المعارف والعلوم لتوفير الكفاءات البشرية التي يحتاج إليها لإدارة الدولة وقيادة الجيش، وأصدر أمرًا بتأسيس مطبعة بولاق عام 1821م، وقام بتأسيس عدد من المدارس العليا (الكليات)، فأنشأ مدرسة الهندسة بالقلعة لتخريج مهندسين يتعهدون بأعمال العمران، وأنشأ مدرسة المهندسخانة في بولاق للهندسة العسكرية، ومدرسة الطب في أبي زعبل لتوفير احتياجات الجيش من الأطباء، ثم ألحق بها مدرسة للصيدلة، وأخرى للقابلات (الولادة)، ومدرسة المعادن في مصر القديمة، ومدرسة الألسن في الأزبكية، ومدرسة الزراعة بنبروه، ومدرسة المحاسبة في السيدة زينب، ومدرسة الطب البيطري في رشيد، ومدرسة الفنون والصنائع، كما أنشأ 50 مدرسة ابتدائية في ربوع مصر لنشر التعليم فيها.

أما في المجال الاقتصادي، فقد نهض محمد علي باقتصاد مصر في كافة المجالات: الزراعة والصناعة والتجارة.. فاهتم بالري وحفر العديد من الترع وشيد الجسور والقناطر، واهتم ببعض الزراعات كزراعة التوت التي خصص لها 3 آلاف فدان لإنتاج الحرير الطبيعي، كما اهتم بزراعة الزيتون لإنتاج الزيوت، وأدخل إلى مصر زراعة صنف من القطن يصلح لصناعة الملابس، لأن الصنف الشائع آنئذ لم يكن يصلح إلا للتنجيد، وغرس الأشجار لتوفير الأخشاب لصناعة السفن.

أنشأ محمد علي كذلك العديد من المصانع، كمصنع الغزل والنسيج، ومصنع الجوخ في بولاق، وأنشأ مصنعًا للحبال اللازمة للسفن الحربية والتجارية، ومصنعًا للأقمشة الحريرية وآخر للصوف، ومصنعًا لنسيج الكتان، ومصنع الطرابيش بفوه، ومعمل سبك الحديد ببولاق، ومصنع ألواح النحاس التي كانت تبطن بها السفن، ومعامل لإنتاج السكر، ومصانع النيلة والصابون ودباغة الجلود برشيد، ومصنعًا للزجاج والصيني، ومصنعًا للشمع، ومعاصر للزيوت.

بعد أن تقرأ هذا الفصل في باب تاريخ مصر الحديث، سل نفسك: ما جنسية محمد علي؟ وهل هو محتل؟ وهل كان قبطيا؟ يهوديا؟ علمانيا؟

هذه النهضة التي بناها محمد علي كانت تجد مقاومة من المصريين في بادئ الأمر، وكان الفلاحون المصريون ينظرون إلى التجنيد في الجيش على أنه عمل من أعمال السخرة، وكانوا يقاومونه، وكانوا يرون العمل في المصانع التي أنشأها محمد علي عملا من أعمال السخرة، والحق أن محمد علي أطرهم على النهضة أطرًا، فما كان المصريون يعرفون إلا زراعة الأرض وفلاحتها، يرمون البذور في الأرض وينتظرونها حتى تخرج ثمارها، ليس لهم صبر على الأعمال الشاقة، كالصناعات والجندية، واقرأ معي ما قاله المنفلوطي في نظراته: (يريد المصري أن يقلد الغربي في نشاطه وخفته، فلا ينشط إلا في غدواته وروحاته، وقعدته وقومته، فإذا جد الجد وأراد نفسه على أن يعمل عملا من الأعمال المحتاجة إلى قليل من الصبر والجلد، دب الملل إلى نفسه دبيب الصهباء في الأعضاء، والكرى بين أهداب الجفون) (النظرات، ج1، المدنية الغربية).

قلب صفحات هذا الباب واقرأ فصلا آخر من فصول نهضة مصر الحديثة، ولتقرأ معي هذا الفصل عن نشأة الصحافة المصرية.. ستجد أن الصحيفة الرسمية (الوقائع المصرية) أنشأها محمد علي باشا عام 1828م، وأن جريدة الأهرام أنشأها أخوان لبنانيان عام 1875م، وهما بشارة وسليم تقلا، وكانا يعيشان في الإسكندرية، وكانت الجريدة تصدر في مصر والشام، وفي عام 1899م تم نقل مقر الصحيفة إلى القاهرة، وفي عام 1892م أنشأ اللبناني جورجي زيدان دار الهلال التي تصدر مجلة الهلال ومجلة الكواكب ومجلة المصور، وفي عام 1925م أصدرت الممثلة اللبنانية من أصل تركي فاطمة اليوسف المعروفة باسم (روز اليوسف) مجلتها الشهيرة (روز اليوسف)، وفي عام 1945م أصدرت مجلة صباح الخير.

وبالطبع صدر العديد من الصحف والمجلات على أيدي نخبة من أعلام الثقافة والفكر المصريين، لكن فجر الصحافة المصرية بزغ على أيدٍ غير مصرية..

فصل آخر في باب التاريخ المصري الحديث نقرأ فيه أن سكك حديد مصر شُرِع في إنشائها عام 1851 وبدأ تشغيلها عام 1854م، وهي فترة حكم الخديوي عباس حلمي الأول، حفيد محمد علي باشا الألباني الأصل، وكان المهندس المشرف على المشروع الإنجليزي روبرت ستيفنسون ابن جورج ستيفنسون مخترع القطار.

ولو عرجنا على التاريخ القديم وتصفحناه وأخذنا مقتطفات منه لوجدنا أن مدينة الإسكندرية بناها رجل غريب ليس بمصري، ولوجدنا أن الذي دبر أمر الزراعة ليمنع خطر المجاعة عن مصر هو هذا النبي الكنعاني يوسف بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

ولو فتحنا بعض صفحات التاريخ الإسلامي لوجدنا أن عاصمة مصر القاهرة بناها مغاربة شيعة، (ناهيك بأن العاصمة الإدارية الجديدة المزعومة كان موكلا إلى الإمارات بناؤها)، وأن من أخرج المحتل الأوروبي الرومي من مصر وشمال أفريقيا كله قادة مسلمون، وأن من دحرهم مرة ثانية في حملاتهم الصليبية هم أيضًا قادة مسلمون كصلاح الدين الكردي والمماليك الأتراك، وأن من حمى مصر والعالم أجمع من خطر المغول التتريين هم قادة مسلمون كقطز وبيبرس.

هذه أسطر قليلة من كتاب التاريخ، ولو تطرقنا إلى مجال العلوم والعمارة والفلسفة وتتبعنا جميع العصور التاريخية لاحتاج الأمر إلى جهد كبير وكتب ومجلدات كثيرة، ولو استصفينا تاريخ مصر من هذه الحقب وهذه الثقافات المتعاقبة، لم يزد الأمر على نصف صفحة في كتاب التاريخ.

فالذين يرون في الإسلام ثقافة دخيلة على المجتمع المصري، وينعتون أجلاء الصحابة كعمرو بن العاص بالمحتلين العرب، ويصفون الإسلام بالاحتلال الإسلامي لمصر، هم أجهل الناس بالتاريخ، ويزعمون أنهم أهل العقل والعلم.. ولو صدقوا في دعواهم ما كانوا يستخفون بدعوتهم ما تمكن الإسلام من النفوس، ويعلو نقيقهم ما وجدوا الإسلام ضعيفًا غريبًا بين أهله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد