السجينة لمليكة أوفقير، تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جلون، والقوقعة لمصطفى خليفة، كانت تجاربي السابقة مع أدبِ السجون، ذلك اللون الكتابيّ الساحر الذي يحملُ القارئَ إلى أعمق دهاليزِ النفس البشرية المعقدة، المظلمة والمتشابكة، ليراها من الداخل بوضوحٍ تامّ، بلا حجابٍ أو ستار، عاريةً من كلّ شيء إلا من إنسانيتها التي تظهر وتتجلّى بوضوحٍ، عندما ترزحُ تحت وطأة أقسى أنواعِ الألم والعذاب والتنكيل، فيكون دافعًا للتعبير عن المشاعرِ في أصدقِ وأبهى صورة، فرضَ أدبُ السجونِ نفسَه كظاهرةٍ أدبية في الأدب الفلسطيني، إبان أحداث احتلال 1967، ليعبرَ بعدها إلى جميع الدول العربية، وهو يمثّل حكاياتٍ كتبها معتقلون في سجون الاحتلال، ونقلوا بها صورةً حية وواقعية للمعاناة التي مرّوا بها وعايشوها، بعضها نجح في عبور النافذة الضيقةِ للزنازين مبصرًا النور، وبعضها ينتظر، وهو يعدّ في نظري أصدق أنواع الأدب في تصوير مشاعر الظلم والألم والحزن والمعاناة والقسوة التي قد يشهدها إنسان في حياته، الإنسان السجين بالطبع، ولكن هل هناك جانبٌ آخرٌ من المشهد قد أغفلناه أو لم نتناوله من قبل؟

في رواية (حيثُ تركتُ روحي) لجيروم فيراري، يروي فيها قصة ضابطٍ فرنسيٍ سجن في فيتنام، وعُذب على يد النازية في ألمانيا، وبعد 14 عامًا يذهبُ إلى الجزائر في مهمة رسمية، ليمارسَ تعذيب الفدائيين، عقبَ اندلاع الثورة الجزائرية، ويبدأ هنا الصراع الشاقّ بينه وبين ضميره الإنسانيّ، ذلك الصراع المؤرق، الذي يسلبه (روحه) على حدّ وصفه، ويفقده أي طعمٍ أو مذاقٍ للحياة، فيقولُ واصفًا مشهد تعذيبه لأحدهم: إنها أولًا اللذة العاجلة للتنفيس، ثمّ سريعًا الشفقة والندم، الضعف الذي لا يمكنُ وصفه.

ويقول الكاتبُ مقارنًا بين وضع ذلك النقيب السالف والآنيّ، قبل خوضه لتجربةِ التعذيب الشاقةِ تلك وبعدها: لكن لا شيءَ يدوم، مشاعرُه الجياشة غير قادرةٍ على المحافظةِ على زخمها، أصبحت باهتةً وباردة، وتداخلت جيمعُها في إحساسٍ واحدٍ مبهمٍ من الضجر واليأس الذي لا يغادره، كل شيءٍ مصطنعٍ وخاو.

ينقل لنا الكاتب معاناة النقيبُ دوغروس، وهو يحسدُ المعتقلين على إيمانهم، الذي يمنح لحياتهم معنى، وموتهم معنى فيما بعد – على حدّ اعتقادهم – ذلك الإيمان الذي يربت على قلوبهم بدفء وحنانٍ معينًا إياهم على التجلدّ والصمود في مواجهة كل ما يقاسون، يحسدهم على رفاهية الشعور بالألم، ذلك الشعور الذي يعدّ الدليل الأصدق على حياة الآدميّ، وخفقان قلبه، تلك الرفاهية التي حُرِمها منذ زمنٍ طويل، جرّاء خوضه لممارسات التعذيب الموحشة تلك التي أحالت قلبه إلى جليد ممتلئ بخواءٍ تام، وفي نصّ روائيٍ من أصدق ما قرأتُ على الإطلاق، وأكثرها إيلامًا وإثارة للشفقة، يقول في خطابٍ لزوجته:

هناك شخصٌ يعيشُ محميًا في قلبك العاشق، حيثُ لا شيء يمكن أن يصيبَه، وكذلك في قلوب أطفالنا، ولكنّ هذا الشخص ليس أنا، أنا ليس لي مستقرٌ، ولا حتى في جهنم، ذراعاي الممدودتان صوبكم يجب أن تسقطا في الرماد، صفحات الكتاب المقدّس يجب أن تحرقَ عيني، لو كنت تستطيعين رؤية ما أنا عليه ستغطين وجهك، وستهربُ مني كلودي هلعًا. هكذا الأمر، شيءٌ ما ينبثقُ من الإنسان، شيءٌ ما شنيع ولا إنسانيّ، ومع ذلك فهو جوهر الإنسان، حقيقته العميقة، ما عدا ذلك أكذوبة . السماءُ ليست زرقاء، واليومَ أيضًا قتلتُ طفلًا، وقتلت أخي، الحبّ غير المستحق يثقل كاهلي على نحوٍ قاتل.

أنا يا جان ماري تركتُ روحي في مكانٍ ما ورائي، لا أذكر متى وأين، ما الفائدةُ من المعرفة إذا لم يُسمح لي بالرجوعِ إلى الخلف؟ وهل أستطيع غير متابعة التقدّم بعيدًا، ودون هوادة، في الطريق الذي يأخذني بعيداً عنه (الإله) وعنكم؟ أريدُ أن يعيدني إلى ساعة الشروق في ذلك اليوم الذي مُحي من ذاكرتي، وهو الوحيد الذي يعرف الحقيقة. لو أن الغضب لا يزالُ يعني له شيئًا فسأغضب منه غضبًا شديدًا. لماذا تركني هكذا أُدمّر كل الحب الذي كنت أحمله داخلي؟ لماذا جعلني أصبح غير أهلٍ لحبكم؟ وهو لا يتفضل عليّ حتى بغضبه. جان ماري أنا حيوانٌ يئن، باردٌ للحدّ الذي ما عدتُ أشعر فيه بالألمِ الذي يجعلني أئنّ، ورغم معرفتي بأني فقدت منذ زمنٍ بعيد، الحقّ في التضرع إليه، إلا أني أصلّي له.

أريد منه فقط أن يسمح لي بالعودة حيث تركتُ روحي.

تركتني الروايةُ أسيرة حزن وشفقة بالغين، فريسة تساؤلٍ مخيف: كيف يعيش إنسانٌ فقد روحه؟ أيّ قدرٍ من الخواء والتيه والضياع وغياب المعنى سيعاني؟ وأي فائدةٍ تُرجى من حياةٍ كتلك؟

في مشهدٍ بين الجلادّ وضحيته، السجين وسجانه، أيهما قد اختبر القدرَ الأكبرَ من المعاناة؟ أيهما قد خسر أكثر في رحلةِ التعذيب تلك؟ وأيهما يعدّ الأجدرُ بالشفقة؟

لقد منحنتي هذه الرواية أعظم يقين قد أعيش بهِ على الإطلاق، هو أني لا أملك شيئًا أثمن من روحي، أو يفوقها قيمة، عليّ أن أُجاهد للحفاظ عليها، وإبقائها على قدرٍ يرضيني من التألق والتميز، الحفاظِ على نشاطِها، عنفوانها، عفويتها، براءتها وشغفها في أوجهم، الحفاظ على حماسها الطفوليّ أمام كل ممتع ومشوق، دهشتها وفضولها أمامَ كل جديدٍ وغريب، الحفاظِ على حساسيتها في استشعار الجمالِ في كل ما حولها، وقدرتها المميزة على تذوق الفنّ والانتشاء به، الحفاظ على صدقِ شعورها بالحبّ تجاه الجميع، وصدق التعاطف مع آلامهم وأوجاعهم، أن أُفسح لها المجال دومًا للتعبير والتنفيس عن ألمها، حزنها، غضبها، وخذلانها، قبل سعادتها وحبورها وابتهاجها، أن أؤمن أن شعورها بالألم يصقلها ويُحييها أكثر من شعورها بالسعادة، أن لا أتردد إطلاقاً في التضحية بأي شيء أو علاقةٍ أو سلوكٍ، يسلب روحي سلامها واتزانها وطمأنينتها، وأن أسارع في مغادرة أي مكانٍ يضيق خناقه عليها أو يكبتها، أن أطمئن دومًا إلى امتلاكي إيمانًا قويًا، عميقًا وصادقًا بعقيدةٍ ما، تلجأُ إليهِ روحي، تستقرّ في كنفه، تهدأ وتسكنُ بممارسة شعائره، فلا خسارة أفجع من خسارة الإنسانِ لروحه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!