عندما يَطول الشيء عن حدّه ويأخذ مدّةً زمنيةً أطول مما يحتاج حتى يصبح مملًّا، فإننا الفلسطينيين نقول: «باخَت»، وأصلها من الفعل «باخَ»، ونقول: «باخ اللحم» أيّ فسد، و«نكتة بايخة» أيّ باردة وتافهة، وكذلك الأمر مع صفقة القرن التي باخَت وفسدت في ثلاجة ترامب قبل أن تُقدّم لآكليها.

وهنا نكتشف الوجه الحقيقيّ للعبة القرن، وكيف حوّل ترامب دول الخليج التي انساقت وراءه إلى أكبر أضحوكةٍ في عالم السياسة والعلاقات الدوليّة على مرّ العصور القديمة والحديثة، بعد أن سرق سيولتهم الماليّة، مستفيدًا من فقّاعة بُعبُع إيران التي خلقتها أمريكا منذ الثورة الإيرانيّة، وأوقعت بمخافتها العراق ودول الخليج لعقودٍ، منذ حرب الخليج الأولى، وباستخدام مئات المليارات المنهوبة من دول الخليج، استطاع ترامب خلق فقّاعةٍ اقتصاديّة لمواطنيه، الذين لن يترددوا بانتخابه لولايةٍ جديدة، بعد أن التمسوا أطراف هذه الطفرة الصغيرة.

وهوَس ترامب – صانع الفقاعات- بفترةٍ رئاسيّةٍ ثانية أوقعه بمستنقع المحرّمات لإرضاء ناخبيه من اليهود الأمريكيين ومؤيديهم من المسيحيين الصهاينة، بفقاعة الاعتراف بالمناطق المحتلّة جزءًا من إسرائيل التي احتلتها عام 1967، موهمًا إياهم بأنه بهذه الخطوة سيفرض الأمر الواقع على الأطراف المتنازعة، ويجبر الأطراف الأضعف على القبول بما يُملى عليهم، وما زال يعتقد تاجر العقارات الذي أجلسه الزمان على كُرسيّ أقوى دولةٍ في العالم، أن أرض فلسطين يُمكن أن تُباع كأيّ شقّةٍ أو عقار في جنوب مانهاتن، لكنّه غفل عن أن أصحاب فلسطين ليسوا كغيرهم، وأنهم يقدّسون الأرض والشجر والحجر أكثر من الدولار، وأن فقراءها الذين حوصروا بالبوّابات الإلكترونيّة، والأسلاك الشائكة، والمستوطنين، والجيش، والشرطة، وكلاب الحراسة، قد رفضوا بَيع بيوتهم التي ورثوها جيلًا بعد جيل بعشرات الملايين من تلك الدولارات، وأن الطريق الوحيد لأخذ هذه الأرض يمرّ فوق جثث أصحابها، الذين ربطوا شرفهم وكرامتهم وعِرضهم بها.

وعلى الرغم من أن صفقة القرن قد أصبحت من أكثر العبارات تداولًا في وسائل الإعلام، فإن أحدًا لم يعرف بَعد حقًّا ما هي، سواء كان كاتبًا، أم صحفيًّا، أم مُحلّلًا، أم دبلوماسيًّا، أم حتى رئيس دولة، وربما لكونها غير موجودةٍ وقد فشل كوشنر في بلورة معالمها النهائيّة، كما أن إسرائيل لم تعُد بحاجةٍ لها؛ فبين أيديهم القدس، وأعداء الفُرس، والغَور، والضفة، والجولان، وبن سلمان ومن والاه من غِلمان، وما بقي لترامب هو تلك الفقاعة الأخيرة التي سيحتاج لنفخها؛ ليوهم الفلسطينيين بفقاعة الرخاء الاقتصاديّ الكاذب، ويوهم الإسرائيليين بفقاعة الأمن الذي تحققه فقاعة الاقتصاد للفلسطينيين، ويوهم الناخب الأمريكيّ بالسلام الذي حققته هذه الفقاعة الأخيرة.

لكن رفض الفلسطينيين وصمودهم الذي لا ينفكّ عن فقء فقاعة ترامب الأخيرة، كلما حاول نفخها، يعجّل بانتهاء المستقبل السياسيّ له مع اقتراب الانتخابات الأمريكيّة، فجميع فئات شعبنا من أطفال المدارس الذين يتحدّون يوميًّا الحواجز ومضايقات المستوطنين في رِيف نابلس، وبائع الكعك المتجوّل في القدس، الذي يدفع ضرائب أعلى من ضرائب التجّار في مولات دبيّ، وهونغ كونغ، ونيويورك، وحتى راعي الأغنام في السفوح الجنوبيّة لجبال الخليل الجرداء، والذي يَسرح يوميًّا بقطيع أغنامه بحثًا عن الحشائش بين ثنايا الصخور، والذي لا يعرف سوى أنه باقٍ وذريّته في هذه الأرض أكثر من المستوطنين الذين جاؤوا بعده وسيرحلون كغيرهم، يُهدّد استمرار جلوس ترامب على كُرسيّه أكثر من جيوش العرب، وقادتهم، ونياشينهم، وميليشياتهم، وتنظيماتهم مجتمعة، وسنعيش نحن الشعب لنرى نفَس ترامب عندما ينقطع دون أن يكمل نفخ فقاعته الأخيرة، وسنعيش لنرى كيف ستنفجر كلّ فقاعاته وتتلاشى، وكيف سيتلاشى معها إلى المكانة التي يستحقّها في التاريخ، وسنعيش لنرى كيف ستتطهّر أرضنا من هذا الاحتلال مثلما يُسخب الشعر من العجين، ونرى أن أنفاسنا مهما تعبت فإنها أقوى من أنفاسهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد