من ابتكر السجون؟ سؤالٌ راودني إذ كُنت أُفكِر في ذاك التفاضل الذي يمنح السلطة إلى طائِفة من الناس لإدارة الحريات، سلبها ومنحها، احتقارها وتعظيمها، وربما المُتاجرة بها كأي سلعةٍ أخرى تُباع وتشترى!

لا يخفى على أحدٍ أن السجن عقوبةً ليست بالسيئة إن كان المُعاقب مُجرمًا، ولستُ أقصد «بالمجرم» هنا أحدًا من أولئك الذين راودتهم ألسنتهم على النطق بالحق، أو أحد الذين علت أصواتهم بكلماتٍ أزعجت الطاغية وأقلقت منامه، أو الذين أيقنوا أن الظلم زائل فتسابقوا لإزالته ظنًا أنهم سينالون بذلك مجدًا وفخرًا وسيرفعون الأذى عن الأجيال من بعدهم. إنما أعني أولئك المجرمين من اللصوص والقتلة وغيرهم ممن يتجاوز القانون ويُخل بنظام المجتمع.

واستكمالًا لسؤالي الأول، هل كان ذاك المُبتكر من الطواغيت أم أنه من رُعاة القانون الباحثين عن أمان شعوبهم؟ لستُ أدري إنما الذي أعلمه أن هذا الابتكار فاق أدوات التعذيب برُمتها.

وتلك الأداة اللعوب ذات وجهين، وجه مُريح يضحك للشعوب ويردع من تُسول له نفسهُ على إزعاج أبناء جلدته والنيل من حقوقهم، وهناك وجهٌ ظالمٌ مُظلِم لا يكترث إن كشر عن أنيابه للمجرمين أو غرسها بأعناق الذين تجاوزوا بعقولهم تلك الحدود الفكرية التي رسمها الطاغية. فعند الطاغية يكفي أن يمتلك الإنسان وعيًا حتى يكون متهمًا أو أن يُثبِت انضمامه للقطيع فيأمن بذلك سلامة نفسه. ويفقد القانون سلطته ليحل مكانه رأيُ الطاغية، فرأيهُ قانون وأهواؤه دستور فإن رضي سلمت روح المعتقل وإن غضِب سلبه إياها.

يقول المثل الدارج: ألمُ ساعة خيرٌ من ألم كلِ ساعة. وذاك الألمُ الدائم الذي يرافق السجين عند تذكره أحلامه التي وئدت، أليس أعظم من ألم الحريق. هل نُغالي إن قلنا أن حسراته على أمه  أشد فتكًا من نزع اللحم عن جسده الحي. أحبابٌ وعائلة، جيران وأصدقاء، ربما أطفال أو حُلم بطفل يداعبه صغيرًا بين أحضانه، سُلب منهم وسلبوا منه لأن أحدًا ما غضب من كلمةٍ قيلت أو خشي على سلطانٍ فان.

لو عاد بنا التاريخ والتقينا بمن ابتكر تلك الأعجوبة المضحكة المؤلمة، أظن أن إيداعه السجن سيكون إنصافًا لكُل من بُترت حياتهم بالسجون دون وجهٍ من العدل يُرجى. حتى وإن اعترض على حكمنا هذا، وقال إنه ابتكر سجنًا فسيحًا تُداعب الشمس جدرانه في كل صباح، والنسمات العليلة تُدخِلُ الغبطة على صدر ساكنه، وأن كرامة نزيله لا تُمس بسوء، وأنه ابتكره ليكون أداةً للعدل لا عليها. لن نتراجع عن حكمنا عليه، ليس لأن كُلٍ منا بداخلهُ طاغيةً بحجم سلطته ونفوذه، بل لأن نِتاج تلك الفكرة الخرقاء كان سجونًا مُظلمة ضيقة، يتساوى بها الإنسان مع الجرذان التي تشاركه الزنزانة، فلا الشمس تأتيه، ولا الهواء يزوره حتى الموت ذلك الذي يخشاه الجميع ويفر منه الناس كطفلة تفر من الوحش، يُصبح عند المعتقل ضيفًا مرحبا به ويسعدُ بحضوره إن وافاه. قد يكون موت المعتقل نصرًا له على جلاده، وأكاد أجزم أنه هزيمة لنا، فصحيحٌ أننا لم نُقيد يديه والجلاد ينهال بالسياط عليه، ولكننا نصرنا الجلاد عليه إذ نسيناه، ونصرنا الزمان عليه إذ أغمضنا أعيننا عن حاله.

يبتسم الحظ أحيانًا لنا «نحن الذين خارج المعتقل» ويعود لنا ذلك المُغيب، ولا أدري ان كان يصح القول أن الحظ ابتسم له أيضًا إذ نجا من براثن جلاده، لأن ذاك المعتقل الحر أعيدت له حرية الجسد، لكن كيف للذين شوهت أرواحهم سجون الطغاة أن يعودوا للحياة مجددًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد