لقد أبان الحراك الشعبي بالجزائر عن وجود علاقة صراع بين طرفين رئيسين في الأزمة السياسية الحالية، يشكلان قطبين متعارضين من حيث الأهداف والأساليب، ويمكن تحديدهما في الآتي:

أولًا: قوى الحراك الشعبي

ممثلة في الجماهير الممتعضة والرافضة لسياسات النظام الفاسد والمطالبة برحيله من حيث: تجلياته المختلفة وشخصياته وأدواته الوظيفية، وهذا القطب يمثل غالبية المجتمع الجزائري الذي ضاق ذرعًا بسياسات النظام الفاشل، الذي بلغ أرذل العمر، وفقد فاعليته وأضحى عاجزًا عن مواكبة طموح الجزائريين على حد تعبير المجاهد الرمز عبد الحميد مهري رحمه الله.

ثانيًا: القوى المضادة للحراك الشعبي

وهي القوى الرافضة للتغيير والساعية إلى عرقلة مسار الانتقال الديمقراطي السلس والحقيقي، أو توجيهه نحو مسارات عنفية تخدم أجندات أقلية بعيدة عن آمال ومطامح الشعب الجزائري، ويمكن تقسيم القوى المضادة إلى قسمين هما:

1- قوى النظام الفاسد

وهم رموزه وشخوصه البارزين والمستترين من أحزاب الموالاة والجمعيات والنقابات والزوايا المتملّقَة، وكل المستفيدين من ريع النظام السابق والامتيازات التي كان يُحْظِيهم بها، فهؤلاء يدفعون نحو الحفاظ على الأمر الواقع، وأغلبهم كان وراء الدعوة إلى ترشيح الرئيس العاجز لعهدة خامسة لأجل صيانة مكاسبهم وامتيازاتهم التي كانت تمنح لهم مقابل إعلان الولاء المطلق، ولا يزالون يحاولون التموقع وركوب موجة الحراك، وإن كانوا يفضلون عدم الظهور الإعلامي في هذه المرحلة لعدم لفت الانتباه ولترتيب أوراقهم بعيدًا عن الضغط الشعبي والإعلامي.

2- قوى الاختراق والانحراف

وهي قوى مندمجة ضمن الحراك الشعبي وبعضها خارجه، وتهدف إلى تمرير أجنداتها الخاصة التي تبتعد عن مطالب الشعب، وذلك إما بترويج أطروحات تقسيمية وحزبية، أو الدفع بالحراك للجنوح نحو المسار العنفي، أو مسارات محددة تخدم أهداف جهات معينة، وذلك لاستبقاء مصالحها التي كان يضمنها النظام السابق، وهذه الفئة هي أخطر من سابقتها؛ إذ تشكل السرطان المستتر داخل الجسم الذي لا يُتَفَطنُ له إلا بعد استحكامه، ويمكن تفكيك هذه الفئة إلى محورين أساسيين؛ يشكل أحدهما التهديد الداخلي والآخر التهديد الخارجي:

أولًا: قوى التهديد الداخلي

هذه القوى موجودة داخل الجزائر وبعضها له امتدادات خارج الوطن مع دوائر وجهات أجنبية؛ تسعى للحفاظ على مصالحها ونفوذها الثقافي والاقتصادي في الجزائر، ويمكن حصر قوى التهديد الداخلي في فئتين بارزتين:

أ‌- أعداء الهوية الوطنية والأقليات العنصرية

وهم أصحاب الولاءات المشبوهة، كجماعة الماك الإنفصاليةMAK وأذرعها المحلية المنتشرة في بعض الولايات، وبعض الأحزاب ذات العداء التقليدي لعناصر الهوية الوطنية والتاريخية كالإسلام والعربية وبيان أول نوفمبر، والتي لها شبكة علاقات ممتدة خارج حدود الوطن(شخصيات ودوائر مخابراتية أجنبية).

وتتجلى خطورة هؤلاء في قدرتهم على إخفاء توجهاتهم والتستر وراء شعارات عامة ومرنة وهلامية، كما يفضلون تبني منهج التّقِيّة بإظهار عكس ما يُضمِرون، وفي الغالب لا يصارحون الشعب بقناعاتهم وإيديولوجياتهم المتناقضة مع البعد الوطني العام.

وتهديد هذا الفصيل لا يتوجه نحو إجهاض الحراك، بل العكس من ذلك تمامًا، فهو يسعى لاستغلال الحراك الشعبي والدفع به نحو حالة الفوضى العامة والمراحل الانتقالية الطويلة وتأزيم الأوضاع، ليتأتى له تنفيذ مخططاته الرامية إلى تحقيق امتيازات سياسية وثقافية عبر آليات غير ديمقراطية.

وهؤلاء موجودون داخل الحراك، ورغم أنهم قلة غير تمثيلية؛ إلا أنهم يتميزون بدهاء كبير في ترويج أطروحاتهم وتغليفها بمادة الديمقراطية وشعار دولة العدل والحريات والقانون والمدنية..الخ، كما أنهم يتمركزون في العديد من القطاعات الحساسة في الدولة كالوزارات والإدارات، خصوصًا المركزية منها، والجامعات والقطاعات الاقتصادية الكبرى كسونطراك Sonatrach على سبيل المثال.

ب‌- المندسون والمتسللون

وهم الذين يسعون لتفكيك صفوف الحراك بتمرير أفكار وشعارات صدامية تحول الحراك إلى صراع بَيْني (بين الشعب نفسه) أو بينه وبين قوات الأمن والجيش تمهيدًا لتأزيم الوضع أكثر وإجهاض الحلول السلمية، وقد ظهر لهؤلاء نشاط كبير، خصوصًا في الآونة الأخيرة أين تسببوا في تأجيج بعض الصراعات الوهمية على الهوية وتعدد الرايات وتضارب الشعارات وتعمد خلق المطالب المتناقضة التي تسببت في تقسيم الحراك وتشتيت شمله، لولا تفطن العديد من أفراد الشعب لهذه المكائد التي تحيكها أطراف خارجية وتنفذها أيادٍ داخلية مُستغفلة وللأسف.

والحل الأمثل في التعامل مع أمثال هؤلاء هو الحوار الحضاري وتجنب الصدام وفتح نقاشات أخوية هادئة والإقناع بالحجة والبيان دون استعمال لغة السب والتخوين والإقصاء والهمز واللمز، التي تفسد المودّات وتنمي العداوات، ويخرج منها الجميع بالخسران المبين، فالفكرة السلبية تقتلها الفكرة الإيجابية والباطل يُدمَغ بالحق، والشبهات تَنْزَاحُ بالحجج المحكمات.

ت‌- أصحاب المصالح والنفوذ

وهم لوبيهات المال والمخابرات والإدارة والنقابات السابقين والحاليين الذين يمثلون الطابور المتستر، وأحد أبرز أطراف صراع الأجنحة والعصب التي أصبحت مصالحها مهددة بالزوال، وانحسر نفوذها السياسي والاقتصادي والإعلامي بعد محاصرة أذرعها وشبكاتها المعقدة والمتنوعة، وهذه القوى مندسة في مفاصل الدولة ومؤسساتها المركزية، وتشمل: الإداريين البيروقراطيين ورؤساء منظمات رجال المال والأعمال، رجال المخابرات السابقين وشبكة علاقاتهم الموزعة في كل المؤسسات منذ سنوات، رؤساء بعض النقابات، بعض أساتذة الجامعة وعمدائها من ذوي الولاء المطلق للنظام الفاسد، وزراء ومسؤولين سابقين، بعض الشخصيات الإعلامية، ويفضل البعض تسمية هؤلاء بالدولة العميقة أو الكيان الموازي الذي يشتغل في صمت ووفق استراتيجية مدروسة لوأد أي توجه تكون نتيجته نهاية مصالحهم أو تقزيمها أو تعريضهم للمساءلة والمحاسبة.

ثانيًا: قوى التهديد الخارجي

لطالما بنيت علاقات الدول الخارجية على أساس المصالح المشتركة، والتوافقات في الرؤى الإستراتيجية والتعاون الاقتصادي والسياسي، وهذا ما يجعل الدول حريصة على ضمان استمرارية مصالحها في مجالها الجيوستراتيجي وفضاءاتها الاقتصادية وحدود أمنها القومي العابر للحدود السياسية للدول، ولهذا قد يشكل العامل الخارجي تهديدا وجوديا للحراك إذا استشعر أن مصالحه الحيوية باتت مهددة، وهذا الفاعل التهديدي قد يكون دوره محلَّ سوءِ تقديرٍ من عموم الجماهير التواقة للإنعتاق والحرية، ومجال عمل هذا التهديد يكون على مستوى المنظمات والهيآت الدولية والإقليمية كمجلس الأمن والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وعلى مستوى الشركات واللوبيات الإقتصادية العالمية كالشركات النفطية والصناعية، والدوائر المخابراتية والأمنية العالمية، وعلى مستوى الأقطاب والتكتلات الدولية الكبرى؛ كحلف الناتو والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وغيرها. ويمكن تقسيم هذه الفئة إلى قطبين أساسيين؛ شَكّلَا على مدار السنوات السابقة عقبة كَؤُودًا في سبيل نهضة الشعوب العربية وتحررها من براثن الاستبداد والتسلط وهما:

أ‌- الأنظمة العربية التسلطية

إذ تخشى هذه الأنظمة الفاقدة للشرعية والمشروعية من محاكاة هذه التجربة في بلدانها، ولهذا فهي تهرع إلى وأد أي فعل تحرري أو وعي شعبي؛ يفضي إلى إعادة السيادة للشعب وتكريس أسس الحكم الراشد والمحاسبة الشعبية للمسؤولين وإرساء النظم الديمقراطية والمدنية في تسيير الدولة.

ولا غَرْوَ من صنيع بعض هذه الأنظمة الإستبدادية المفتقرة لأدى معايير الشرف السياسي والقيم التحررية، فهي تغتاظ من أي تجربة ناجحة للتحول الديمقراطي السلس، الذي سيؤدي إلى تعرية مواقفها التآمرية وضحالة حكمها السياسي و وَخَمِ مناخها الديمقراطي، ويجعلها منكشفة على شعوبها وبقية الأمم المتحضرة، ولهذا فهي تسعى بالتآمر وإغداق الأموال لتمكين الزُّمرِ الفاسدة من النخب العسكرية والسياسية في الأنظمة العربية وإمدادها بالدعم السياسي والمالي وحشد تأييد الدول الكبرى لها، لإعادة إحياء قوى الثورة المضادة وبعث النظام التسلطي في أشكال قَشِيبة وبديمقراطية مشوهة معطوبة.

ب‌- القوى المصلحية والإستعمارية التقليدية: ونقصد بها نوعين من القوى:

1- القوى الإمبريالية والرأسمالية

وهي الأقطاب الكبرى التي تسعى لتوسيع مجالها الحيوي ونفوذها في المناطق الجيوستراتيجية حول العالم، ومن آلياتها: احتكار الأسواق العالمية خاصة في مجال الطاقة عن طريق المؤسسات الاقتصادية والشركات المتعددة الجنسية، وكذا عن طريق مؤسساتها الأمنية وقواعدها العسكرية، وهي تسعى دوما للحفاظ على أمنها القومي ونفوذها الحيوي ومكاسبها التي كان يضمنها النظام السابق؛ ومن بين هذه القوى: الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، بريطانيا، الصين، الاتحاد الأوروببي. وأغلب هذه القوى تتعامل مع الأنظمة العربية غير الشرعية بمنطق المساومات، أو التنازل مقابل البقاء، فالأهم والأولوية بالنسبة لها في هذا الحيز من العالم؛ ليس في تطبيق الأسس الديمقراطية وتوطين الحوكمة والرشادة وقيم حقوق الإنسان وحرية التعبير، بقدر ما هو في ضمان مصالحها الجيو-استراتيجية والاقتصادية وتنفيذ مخططاتها السياسية والأمنية؛ كإدارة الصراع في منطقة الساحل الإفريقي وقضايا الهجرة غير الشرعية والجماعات الإرهابية والصراع حول موارد الطاقة والنفط، وإدارة أزمات دول الجوار كالأزمة الليبية والصحراء الغربية؛ وغير ذلك من القضايا التي تمثل الجزائر شريكًا مركزيًا فيها، وبناء على ميزان المصالح والمكاسب أو الخسائر والمهددات؛ يتحدد موقف هذه القوى تجاه عملية التغيير السياسي في الجزائر.

2- القوى الإستعمارية التقليدية

ونقصد بها تحديدًا – في الحالة الجزائرية – فرنسا ولوبيّاتها ودوائرها الرسمية وغير الرسمية المتغلغلة في بعض مراكز القرار بالجزائر من الوزارات والإدارات المختلفة، ففرنسا تعمل لأجل المحافظة على نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي في الجزائر باعتبارها أكبر وأهم مستعمراتها القديمة، وقد سعت منذ الاستقلال إلى إيجاد نخبة مؤدلجة تلتزم بالولاء لها وتحظى بامتيازاتها الخاصة؛ من التأشيرات المميزة وجواز السفر وبطاقة الإقامة والمنح والسكنات والجنسية والتسهيلات الاستثمارية… إلخ، ويدرك جميع العارفين بالشأن الجزائري نوعية العلاقات الجزائرية الفرنسية خاصة مع الرئيس السابق بوتفليقة، والامتيازات الكبيرة التي منحها للشركات والبنوك الفرنسية خصوصا بعد مرضه كعربون لقبول ترشحه، وبعد استقالة هذا الأخير تحت الضغط الشعبي أصبحت الكثير من المصالح الفرنسية مهددة بالانحسار، ولهذا فإن تدخلها وإن لم يبد علنيًا فهو متعدد الأوجه والاتجاهات، فهي تحرك أذرعها المالية والحزبية والأيديولوجية لتنوب عنها في إدارة الصراع وتنفيذ مخططاتها، بل لقد اكتشف الجيش الجزائري يوم الأربعاء 26 مارس (آذار) 2019 اجتماعًا سريًا ضم شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة والجنرال المتقاعد توفيق مدين وبعض رجال المخابرات الفرنسية لأجل رسم خارطة طريق للمرحلة المقبلة، وهو مؤشر خطير يدل على مدى استباحة اللوبي الفرنسي للشأن الداخلي الجزائري، ومحاولاته الخرقاء لِفَتّ عضد الحراك الشعبي وإجهاض هذا التحول التاريخي والنقلة النوعية في مستوى الوعي الجماهيري، وقد عمدت عبر أذرعها الداخلية (قوى الاختراق) إلى نشر الأراجيف وتأجيج النعرات الجهوية وإحياء النزاعات العرقية، وهو أسلوب لطالما اعتاشت عليه فرنسا الاستدمارية إبان الإحتلال، لإثخان إرادة الشعب الجزائري وتوجيه مخاوفه نحو شبح وهمي حتى ينشغل بمعارك بينيّة لا تزيده إلا بعدًا عن صلب المعضلة، ولا تزيد عدوه إلا تمكينًا وقوة ومَنَعَةً.

فلابد على الجماهير المحتجّة أن تدرك جيدا أطراف معادلة الصراع وكيفية إدارة الأزمة معهم بواقعية وفطنة بالغة، حفاظًا على لُحْمَةِ المجتمع وشرعية مطالبه وأمن البلاد ومقدراتها، ودرءًا لأي فتنة قد تفضي إلى معادلة صفرية أو تؤدي بالشعب إلى أن يَنْقُضَ غَزْلَهُ من بعد قوةٍ أَنْكَاثًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد