من هو القاضي عياض؟

الحديث عن مراجعة التراث متشعب لا يخلو من تعقيد، بين من يراجع مصنفات التراث بالحياد الممكن، فلا ينتقي ما يحبّ ويهوى بل يقرأ الموجودَ، وبين من يراجعه ليجد فيه تأصيلًا لأيديولوجيا معيّنة تخدم نظرته الوردية حينًا، والسوداوية القاتمة أحيانًا، وقد كثر الحديث أخيرًا عن البحث في التراث عن الروايات والأحاديث التي تخدم نسخة من الإسلام المعاصر الحديث البعيد عن الإرهاب والكره والعنف وقتل المخالف، وبقدر ما ينبغي حمد هذه المقاربة والتنويه بها ونشرها، ينبغي التنبيه إلى ما تقوم به من تقطيع لأوصال هذا السجل التراثي الضخم، لتأخذ منه ما تريد، وترمي بكل الروايات التي تخالفها عرض الحائط وتغمض عنها أعينها وكأنها غير موجودة، غير أن الطرف الآخر، الطرف المجرم الداعشي من جزّاري النصوص ينتقي بدوره كل ما يخدمه من أحاديث العنف وآيات الحرب والقتل، ويؤوّل ما يبقى لدرجة محوه تمامًا، أحيانًا عن طريق ادعاء النسخ في النص القرآني، وأحيانًا عن طريق تضعيف الروايات، وأحيانًا بفصل رأس المخالف.

لكن تجفيف منابع الإرهاب لا ينبغي أن يظل شعارًا لتسويق نسخة من الإسلام في أعين الآخرين الغربيين، لأن ما تقوم به مؤسسات الإسلام الرسمي اليوم ليس إلا صبًّا للماء على بول الأعرابي، فلا تقوم بتجفيف منابع الإرهاب حقًا بل تمسح الدم عن مسرح الجريمة فقط، ومن هنا يدخل النقد على الأزهر وشيوخ القرويين وعلماء الزيتونة وكل الشيوخ الرسميين: فكيف يمكن القضاء على الإرهاب ونحن ما زلنا نقدّس شيوخنا وعلماءنا القدماء؟ كيف نجفف منابع الإرهاب وما زلنا نحتفل بكتب الإرهاب نفسه وننشرها وندعو الناس إلى تداولها؟

القاضي عياض: الفقيه المالكي.. الوسطي المعتدل

كتاب القاضي عياض مثال رائع ومحزن على هذا الفصام الذي تمارسة المؤسسات الرسمية، فهذا القاضي الفقيه المالكي السبتي (476 هـ – 544 هـ) يعدّ من رموز المذهب المالكي في المغرب الكبير، ومنارة من منارات العلوم الشرعية والعقلية، عُرف بمجهوده في لمّ شمل المذهب والترجمة لأعلامه وشيوخه، ولكنه عُرف واشتهر أكثر بمؤلفه «الشفا بتعريف حقوق المصطفى». الكتاب ذو العنوان الجميل المريح الذي يقع الاقتباس منه دائمًا في مقررات التدريس، والكتاب الذي ينوّه به ويحتفل به الفقهاء المغاربة إلى يوم الناس هذا دون تفصيل أو تحذير، هذا الكتاب الذي يحتوي قسمًا إرهابيًا لا يقل ترويعًا وتخويفًا عن المؤلَّف الشهير سيء السمعة لابن تيمية «الصارم المسلول على شاتم الرسول».

يقول القاضي عياض: «اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي – صلى الله عليه وسلم -، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه أو الغض منه، والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب، يقتل كما نبينه، ولا نستثني فصلًا من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحًا كان أو تلويحًا».

إن الاحتفاظ بذاكرة القاضي عياض في المغرب ليس عبثًا، فهو قاضي قضاة سبتة، المدينة التي يعتبرها المغاربة جزءًا من الأرض المغربية ما زالت تحتلّه إسبانيا، كما أنّه القاضي السنّي المالكي الذي تصدّى لدعوة الدولة الموحّدية إبان قيامها في المغرب الأقصى، ثم يأتي كتابه الشفا، الذي يعد تجميعًا لسيرة الرسول ومعجزاته والإرهاصات على نبوته ورسالته وما ينبغي له من الحقوق. أمور اعتيادية يجري دائمًا ذكرها أثناء تناول حياة الرسول محمد، لولا أن القاضي عكّر كتابه (على غرار أغلب الفقهاء قديمًا) بقسم خاص عن عقوبة سب الرسول وشتمه، وهي الجناية والجريمة التي لا تُغتفر أبدًا عند أغلب أهل السنة، بل إن المرتد الذي يكفر بالله قد تُقبل توبته ويُعفى عنه، أما الذي يسب الرسول ولو تلميحًا ولو عن غير قصد فينبغي قتله ولا يُستتاب ولا ينفعه ندم ولا شفاعة، وهو الباب المفتوح على مصراعيه لكل الإرهابيين الذين يقومون بقتل المعارضين للإسلام من الصحافيين الغربيين، غير معترفين بحق الآخر في تناول الرموز الإسلامية بالنقد، ولا بجدوى الحوار والنقاش ودعوة الآخر إلى مائدة حوار، مستحضرين رمزية النبي ووفاته قبل قرون وانتقال جسده من دار الدنيا إلى مرتبة الرمز العالمي الكوني الذي قد يقبله الناس وقد يرفضونه. يصرّ الإسلام الرسمي على إمساك الحية من ذنبها وترك رأسها يلعب، يتغنّون بتجفيف منابع الإرهاب ويتركون الكتب التي تدس السم في العسل منشورة دون التحذير مما قد تحتويه، ودون مناقشة ما فيها من الدعوة الصريحة للقتل.

الإرهاب باسم الدفاع عن الرسول: الله لا يحتاج حماية، وكذلك رسوله

تصدمنا بعض النقول والمرويات التي يدشّن بها القاضي عياض القسم الرابع من كتابه الذي عنوَنه بـ«في تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام»، بقدر ما يصدمنا اندفاعه للتأكيد على ضرورة قتل شاتم النبي حدًّا إن كان مسلمًا، أو كفرا إن ارتدّ وسبّ «وبعدُ، فاعلم أن مشهور مذهب مالك، وأصحابه، وقول السلف، وجمهور العلماء قتله حدًا لا كفرًا إن أظهر التوبة منه، ولهذا لا تقبل عندهم توبته، ولا تنفعه استقالته». دون أن يرمش له جفن، وهو في ذلك يردّ على الفقهاء والشيوخ الذين قبلوا توبة الساب والشاتم واعتبروا عفو النبي في حياته عن شاتميه وكارهيه أصلا يؤكّد رحمته التي يتبنّاها المسلمون «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، فإذا كان النبي قد غفر وعفا عمن شتمه وحاربه في حياته، وإذا كان الله في القرآن قد تكفّل بنفسه بحفظ النبي «والله يعصمكَ من الناس»، فالأحرى أن يقتديَ به التابع ويترك الأمر لله وللرسول يوم القيامة، غير أن الخط الفقهي الذي يحبّذه القاضي عياض ويدافع عنه بشراسة هو خط القتل ثم القتل ثم القتل. ليصل به الوهم والهذيان إلى درجات مخيفة، ففي الوقت الذي يؤكّد التشريع على ضرورة درء الحدود بالشبهات، والتماس الأعذار للجاني، فإن القاضي عياض مستعد ليس لقتل شاتم الرسول فقط، بل كل من يلمّح ولو من بعيد بشتمه، ولو أن يكون الشخص غيرَ قاصد شتم الرسول أصلًا، ولو أن تزلق من لسانه كلمة في ساعة غضب لا يعنيها، لا عذرَ لكَ عند القاضي ورأسك هي الثمن. وقد كانت فتاوى قتل المرتد وشاتم الرسول تُرفع في وجه المخالفين أحيانًا، فيكفي أن يشهد عليك الشهود ويقبل القاضي شهادتهم ليقع قتلك وصلبك، رغم إنكارك، وهو ما حصل للمتفقه الطليطلي والشاعر الفزاري.

«وقال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون : من قال : إن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان أسود يقتل».

«وروى ابن قانع أن رجلًا جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، سمعت أبي يقول فيك قولا قبيحا فقتلته ! فلم يشق ذلك على النبي – صلى الله عليه وسلم -».

قتله وتمزيقه من طرف الموحدين: شطحات خيال

إن القاضي عياضا يظل أحد رجالات المغرب، عاش وقتَه وكان ابن بيئته، نحتفل به ولكننا لا نحبه، على طريقة المفكر المغربي «عبد الله العروي» في تعامله مع ابن حزم. ونحنُ إذ ننتقي هذا الجانب المظلم من كتابه لا ننفي كل إرثه، بل ندعو إلى النظر بعينين لا بعين واحدة.

نقطة أخيرة ينبغي الوقوف عندها قليلًا في حياة هذه الشخصية الفقهية المهمة، وهي طريقة وفاته.

ففي الوقت الذي يسترسل فيه بعض المؤرخين (الكارهين والمناوئين للدولة الموحدية) في ذكر قصص قتل القاضي عياض وتمزيقه إربًا إربًا بالرماح ودفنه في مقبرة للمسيحيين لأنه رفض الدخول في طاعة السلطان الموحدي والاعتراف بمهدويّة محمد بن تومرت ووقف كالرمز الشامخ الوحيد ضد طوفان الموحدين، القصة الإيديولوجية الطائفية التي ينفعل معها الدكتور عدنان إبراهيم في مقطع له على اليوتوب، مقلّدًا الذهبي وغيره ممن فضّل الترويج لهذه الرواية المروعة لنهاية القاضي عياض للتشهير بفظاعات الدولة الموحدية، في نفس الوقت ولحسن الحظ نجد أن أبا عبد الله محمد ابن القاضي عياض نفسه يصرّح بأن أباه عاش معززًا مكرّمًا في كنف الخليفة الموحدي بعدَ أن دخل في طاعة الموحّدين وظل عزيزا إلى أن مرض وتوفيّ ودُفــن كما يليق بقاضي سبتة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد