كان يا ما كان في قديم الزمان، كان هناك رجل يدعى أبا عثمان يعيش في إحدى القرى الفلسطينية قضاء الرملة وتبعد حوالي 38كم عن مدينة القدس المحتلة، والتي احتلتها قوات الاحتلال الصهيوني في عام النكبة 1948م.

وأبو عثمان معروف لدى رجال القرية آنذاك بصفته مقاومًا للاحتلال البريطاني، ولم يقصر بحق فلسطين يومًا من الأيام، لدرجة أن معظم أمواله ينفقها لصالح المقاومة الفلسطينية، وكما عرف عنه بأنه طبيب القرية رغم أنه لم يدرس الطب بتاتًا، ولم تكن كليات الطب منتشرة في البلدان العربية بخلاف الوقت الحالي، وبالإضافة إلى أنه كان يعمل حلاقًا للقرية، ويعد كبير القرية، يجلس لساعات وساعات لحل المشاكل الأسرية في القرية.

وعند بداية هجوم القوات الصهيونية، قام بشراء معظم المواد المتفجرة والأسلحة والذخائر الحية لدعم المقاومة الفلسطينية التي تواجه قوة همجية بكل ما تحملها من كلمة، فحول منزله إلى قاعدة عسكرية تحتوي على جميع الأسلحة التي تتوفر بحوزته للفلسطينيين في وسط الأربعينيات من القرن الماضي.

وخلال دخول القوات الصهيونية للقرية، أمد المقاومة ببعض ما عنده وتبقى القليل والقليل منها داخل بيته، لكن فارق قوة السلاح والعتاد والأفراد كان لصالح القوات الصهيونية فاقتحموا القرية وقتل من قتل وشرد من شرد، وكان من بين الشهداء زوجة أبي عثمان.

وعند نزوح أهالي قرية الرملة اكتشف بعضهم بأن هناك من القرية من ما زالوا على قيد الحياة، فبدؤوا يتساءلون عن الأحياء والأموات، فعرف أبو عثمان بأن جميع أبنائه استشهدوا ما عدا حفيدته “ليلى” صاحبة البشرة السمراء والعيون الجميلة، فصحبها معه للخروج من القرية هربًا من بطش القوات الصهيونية.

وخرج معه أهالي القرية الأحياء، وأثناء سيرهم على أحد الطرق المؤدية إلى جبال الضفة أو ساحل قطاع غزة، تصدت لهم القوات الصهيونية مدججة بالسلاح، فاستسلم أهالي القرية لهم بسبب عدم حيازتهم على أية أسلحة للمقاومة.

فبدأت القوات الصهيونية بالإعدامات الميدانية بحق أهالي القرية، وكانوا يعدمون على حسب الأهواء يعني “يلي ما بعجبهم يقتلوه على الفور برصاصة في الرأس فقط”، وفي إحدى حالات الإعدام قامت مجندة صهيونية بالنظر إلى حفيدة أبي عثمان فبدأت تلعب بشعرها من خلال السلاح الذي بين يديها، فلم تتمالك ليلى ما يحدث لها فانفجرت صارخةً في وجه المجندة.

فلم تستطع المجندة تحمل هذا الموقف مما سبب إحراجًا لها، وخاصة أنها بين زملائها في القوة، فلم تفكر إلا ثوانيَ معدودة وأطلقت رصاصة من فوهة بندقيتها تخترق رأس ليلى صاحبة الـ11 ربيعًا فسقطت على الأرض جثة هامدة، وأمام نظر جدها أبي عثمان فلم يستطع أن يفعل أي شيء ولو فعل سيلقى نفس المصير.

فأخذ أبو عثمان جثة حفيدته ولفها بقماشة لونها أبيض وذهب باتجاه الغرب مسافة 50م، فحفر لها قبرًا فدفنها، والجميع يشاهد ما يفعله حلاق القرية، فعاد إلى صفوف أهالي القرية لينتظر مصيره، فهل سيعيش ويروي ما حدث له، أو أن تكتب له الشهادة ولا يستطيع أحد أن يعرف ماذا حدث لهم.

وأثناء وقوفه، جاءه أحد الجنود وسأله “إذا كان عندك اشي بالبيت؟”، فكان جوابه سريعًا وبلا تردد “نعم عندي الكثير والكثير، ولكن هل سنعود للقرية لكي تأخذوا ما في البيت؟”، متوقعًا بأنهم سيرفضون وبشكل قاطع، ولكن جاءت البشرى له بأنهم وافقوا وسط ذهول منه.

وفي هذه اللحظات، قال في نفسه “فرصة لأنتقم مما فعلتموه بنا”، فسحبوه الجنود حتى وصلوا إلى القرية فدلهم على بيته وبعد دخوله ببضع دقائق، انفجر المنزل بأبي عثمان والقوة الصهيونية المرافقة له، فلم يجدوا جزءا من جثة أبي عثمان رحمه الله رحمة واسعة، فدى روحه من أجل الرملة، من أجل المسجد الأقصى المبارك، من أجل مدينة القدس، بل من أجل كل فلسطين.

لقد استشهد أبو عثمان وزوجته وأبناؤه وبناته وأحفاده فلم يتبقَ منهم أحد.

ولنعد إلى الشق الثاني من العنوان عن عباس، يقال أن هناك شخصًا فلسطينيًّا يدعى عباس، حكم جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 2005 حتى كتابة هذه السطور، فماذا فعل عباس بالقوات الصهيونية وأصبحت تسمى في المحافل الدولية بـ(إسرائيل).

أذكر أن عباس هو مهندس اتفاقية أوسلو التي أبرمت بين منظمة التحرير الفلسطينية – وهو عضو فيها – ودولة الاحتلال الإسرائيلي بمباركة الولايات المتحدة الأمريكية، وبالإضافة إلى الإطاحة بشكل غير مباشر بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عندما استحدث منصبًا كأول رئيس وزراء للحكومة الفلسطينية.

وعلى صعيد أبناء عباس، فهم من كبار التجار في فلسطين وبلاد الشام، معروف عن نجله البكر أنه من كبار تجار الدخان في البلاد، وأرباحه تتعدى ملايين الدولارات شهريًّا.

بينما في حياتهم والتي تصف بـ”الطبيعية” جلهم يعيشون في العاصمة الأردنية عمان، لا يعانون من الحواجز الإسرائيلية ولا ممارسات القوات الصهيونية كما عانى أبو عثمان وأبناؤه وبناته، والذين قتلوا وهم فارون من قريتهم، ويبني عباس قصرًا كبيرًا على أراضي الضفة الغربية المحتلة، وقدرته الصحافة الفلسطينية في مدينة رام الله بأنه يكلف 17 مليون دولار أمريكي، والقافلة تطول.

لو سألتك أخي القارئ/ئة من الأفضل الذي خدم فلسطين وخدم أبناءها وأجيالها، وكان ندًا للقوات الصهيونية خلال السنوات الماضية، فماذا ستكون إجابتك، أبو عثمان أو عباس؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد