صراع النفوذ فى الشرق الاوسط بين القاهرة وأنقرة

في ظل الصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، بات من البديهي أن تسعى كل دولة في تأمين حدودها الإقليمية مع شريك قوي، تضمن معه حقها وحق شعبها في ثروات لها كامل الحق في امتلاكها والبحث عنها، وتحديدًا إن كانت هذه الثروات على أرض مشتركة بينها وبين دولة جوار، أو في مياه إقليمية تشترك فيها مع دول أخرى يطلان على مياه بحرية واحدة.

لو تحدثنا مثلًا عن الدولة الليبية؛ هذه الأرض العربية التي تمتلك احتياطيات من الغاز الطبيعي تقدر بنحو 1549 مليار متر مكعب أي نحو 0.83% من احتياطي العالم، وهي مطلة أيضًا على البحر الأبيض المتوسط الكامن في باطنه العديد من آبار النفط، ما يجعلها في صدارة أكبر احتياطي نفطي في القارة الأفريقية، إضافة لاحتلالها المرتبة التاسعة بين 10 دول تتمتع باحتياطيات نفطية مؤكدة، بمعدلات تقدر بـ46.4 مليار برميل، أي نحو 3.94% من احتياطي العالم، و4.87% مما تنتجه منظمة أوبك.

أما اليوم وبعد ثورة الشعب الليبي في السابع عشر من فبراير (شباط) عام 2011، وبعد الحرب الأهلية التي أدت لسقوط نظام الجماهيرية وقتل على إثرها الرئيس الأسبق معمر القذافى، انقسمت الدولة في إدارتها الداخلية بين أكثر من نظام، وبات الصراع بين أبرزهم وهي حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة، وحكومة مجلس نواب طبرق المتحالف معها الجنرال المتقاعد خليفه حفتر الفاقد لأي رصيد من الشرعية الدولية رغم الدعم المقدم له ماليًّا وعسكريًّا من بعض الأنظمة العربية مثل مصر، والسعودية، والإمارات لحربه أمام الحكومة الشرعية هناك، إضافة إلى الدعم الواضح من روسيا وفرنسا في الآونة الأخيرة.

والحقيقة أن حكومة الوفاق الوطني كانت في موقف لا تحسد عليه طيلة الفترة السابقة أمام حفتر وحلفائه، الذين يخوضون ضد الدولة حربًا لإسقاطها بشكل علني دون مداراة بزعم محاربة الإرهاب، الأمر الذي أنهك الدولة، ناهيك عن إدخالها من جديد في أتون صراع داخلي. الآن نستطيع القول إن حكومة الوفاق رغم ما مرت به من عثرات حققت إنجازًا كبيرًا سيكتبه لها التاريخ ولرئيسها فايز السراج، وهو الاتفاق الذي أبرمته مع الحكومة التركية في السابع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني).

فبعد أن وجد النظام الليبي الفرصة سانحة أمامه أسرع بتوقيع مذكرتين؛ واحدة لترسيم الحدود البحرية، والثانية للتعاون الأمني والعسكري بين البلدين، لكن هذا الاتفاق أثار حفيظة دول أخرى عربية وغربية، وتحديدًا المشترك منها مع حدود المياه الليبية في نطاقها البحري، وهي مصر، وقبرص، واليونان.

بُعيد هذا الاتفاق وقبل إحالة بنوده للأمم المتحدة ليكون قيد الاضطلاع عليه من كل الدول، سارعت الخارجية المصرية في إصدار بيان لإدانة هذا الإجراء الاستراتيجي بين البلدين، فعقبت الدولة الليبية شارحة في مذكرة تفاصيل ما حدث لطمأنة الدول الغاضبة والمشتركة معها في مياه المتوسط، جاء فيها أن الاتفاقية التي وقعت، والخاصة بترسيم الحدود لم يكن وليد اللحظة وهي نافذة بالفعل منذ العام 2007، وما توقف العمل بها إلا لظروف البلاد الداخلية في الفترة الماضية، ثم استأنفت لاحقًا. أما عن اليونان فقالت خارجيتها في بادئ الأمر سنطرد السفير الليبي ما لم يطلعنا على تفاصيل ما حدث بينه وبين نظيره التركي، ورغم المذكرة الصادرة عن الدولة الليبية المفصلة والشارحة، أمهلت أثينا السفير الليبي ثلاثة أيام لمغادرة أراضيها، وأنه غير مرغوب في بقائه.

جاء هذا الرد العنيف من الدولة اليونانية تحديدًا بدافع أن تركيا بهذه الاتفاقية فرضت واقعًا جديدًا في المنطقة فيما يتعلق بحدودها البحرية، وهذا ينتقص من غاز تلك المنطقة ونفطها لصالح تركيا.

اللافت في ما حدث هو التعامل غير المتوقع من الحكومة الشرعية الليبية مع دولة الجوار لها، مصر، في شرح وإيضاح الأمر برمته، وأن هذا الاتفاق بمثابة إجراء فني يحقق مصالح عليا للبلدين وأن ليس له أي بعد سياسي، يأتي ذلك رغم التعاون الواضح بين الحكومة المصرية وبين اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يقود العمليات العسكرية على العاصمة طرابلس من وقت لآخر منذ سنوات، وهذا ما لم تنفه القاهرة.

يضيف بعض الخبراء الأمنيين أن القاهرة استغلت الانقسام القائم في ليبيا، وغدت توقع اتفاقية ثلاثية بينها وبين اليونان وقبرص دون إعلام الجانب الليبي بما جرى في أواخر أبريل (نيسان) عام 2018، وما جرى توقيعه اليوم بين تركيا وليبيا يُهدر ما قررته الخطوات المصرية اليونانية القبرصية على مدار سنوات، ومن هنا يُفهم الاعتراض الحاد وموقف هذه الدول.

في طيات كل هذه الاتفاقات تجاذبات إقليمية تتضح معالم خيوطها واحدة تلو الأخرى، ومواقف بعض هذه الدول تجعلك في دهشة كبيرة.

الجانب المصري، والذي عقد اتفاقه مع اليونان وقبرص بما يناقض مصالحه في مياه البحر المتوسط وما فيه من ثروات، يقول بعض المعارضين لهذا الموقف إن القاهرة ما أقدمت على هذه الخطوة إلا بذريعة المناكفة في النظام التركي، على خلفية موقف الأخير من الانقلاب العسكري الذي وقع في مصر يوم الثالث من يوليو (تموز) عام 2013، وإطاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي لا أكثر ولا أقل، يأتي ذلك رغم نصيحة بعض الخبراء المقربين من النظام المصري الذين دعوه قبل اشهر للتنسيق مع الأتراك بما يعود بالنفع أولًا على مصر ثم تركيا، ولكن جاء الرد من الرئاسة بالرفض.

لماذا اعترضت مصر إذن رغم استفادتها مما جرى توقيعه بين تركيا وليبيا؟

يتضح مغزى هذا الأمر في نقطتين، أولاهما النظام العسكري الذي يحكم في مصر بسياسته الأمنية التي أرهقت الشعب أمنيًّا واقتصاديًّا بشهادة منظمات حقوقية عالمية، هذه الاتفاقية تكشف الغطاء عن علاقته الخارجية وتنازله الواضح والصريح عن ثروات ومقدرات الوطن لصالح دولة أجنبية، وهي اليونان، بموجب الاتفاق الذي وقعه السيسي مع نظيره اليوناني سالفًا، أما الاتفاق التركي الليبي فيعيد هذه الحصص لمصر من جديد، وبذلك يهدر ما قرره النظام المصري مع الجانب اليوناني، وبعقلية المستثمر العسكري وبمفهوم البزنس عند الجنرالات هم لا يريدون ذلك لأنه لن يكشف تنازلاتهم أمام العلن وفقط، بل يضعهم في موقف محرج مع أثينا بعد تنازل الأول.

ثانيًا التعاون الأمني والعسكري، واعتقادي أنه يخيف جدًّا النظام المصري؛ لأن تركيا الآن أصبحت لها كامل الشرعية ليس في المياه المشتركة بينها وبين ليبيا وفقط ولكن في دعم الحكومة الشرعية هناك عسكريًّا على أرض الصراع كما أعلنت عنه تركيا قبل أيام باستعدادها في أي وقت يطلبه النظام الليبي، وهذا ما لا تحبذه القاهرة، أن يكون الأتراك الداعم الأبرز لمعارضتها في دولتهم بالقرب من حدودهم، ويحلوا قريبًا من دارهم، إضافة لزياد حدة التوتر على حدودها الغربية مما يضيف نقطة قلقة جديدة لسيناء في شمال شرقها والمسيطر على مناطق منها هناك تنظيم الدولة الإسلامية، وأيضًا الجدل الدائر في جنوبها مع السودان على منطقة حلايب وشلاتين، إضافة لقلق النظام المصري من مدى جدية الحكومة السودانية الجديدة، وعدم قدرتهم على إنجاز ملف السلام مع الحركات المسلحة هناك، والذي في حالة عدم إنجازه يجعل احتمالية عودة الحرب الأهلية في السودان مطروح وبقوة.

«السلام في المنطقة هو الرابح لاتفاق ترسيم حدودنا مع ليبيا».

هذا ما قاله فؤاد أوكتاي نائب الرئيس التركي قبل تصويت نواب البرلمان هناك على الاتفاقية بأغلبية ساحقة، كان ذلك على غير عادة المجلس مما يشهده من أخذ ورد عند كل تصوت في مثل هذه الأمور، فقد وافق 293 نائبًا مقابل 13 فقط، أنا شخصيًّا أصدق ما قاله أوكتاي ولا أصدق أو أثق في من دعم ميليشيات مسلحة لتقليب وتأجيج وتفجير الوضع في الداخل الليبي، واقتتال أبناء الوطن الواحد، وجعل البلاد كمرجل يغلي بوقود دماء الليبيين، ويصادر حق شعب الجوار في العيش بديمقراطية وسلام، أليس هذا هو الإرهاب بعينه؟!

أما عن تركيا يا سادة فلها تجربة في سوريا أطلق عليها بعض الخبراء في المجال العسكري بالحرب النظيفة، التي بدت في ثلاث عمليات عسكرية خاضتها هناك، حاولت فيها بقدر الإمكان الالتزام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان المنصوص عليها وقت الحروب، خلاف ما فعله بشار الأسد مع شعبه، وأيضًا ما فعله الجنرال حفتر بأبناء ليبيا.

يا سادة وجود النظام التركي الآن في أي معادلة هو مصدر اطمئنان لنا بخطواته الخارجية مع أي شريك وحليف إقليمي؛ لأن نتاجها سيكون خفض وتيرة النزاع والاقتتال، أما ما أقدم عليه حفتر قبل أيام بإيعاذ من حلفائه وإطلاقه لعملية عسكرية للهجوم على العاصمة طرابلس، هو بهذا التصرف قد سرع تنفيذ البند الثاني من الاتفاقية المختصة بالجانب العسكري مما يزيد من حدة منطقة الشرق الأوسط وتوترها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد