ساحة العلاقات المتشابكة بين الإسلام والغرب لم تهدأ لحظة واحدة، فهي ففي بعض الوقت تشهد حوارًا هادئًا ولطيفًا، وفي البعض الآخر صراخًا وحشرجة حناجر مليئة بالغضب وتبادل الاتهامات، وأحيانًا أخرى صراعًا عسكريًا صريحًا، وأحيانًا يأخذ شكلًا مموهًا مكتومًا يرتدي أثوابا مدنية، لكنه يحاول هز القواعد وخلخلة البنية ومحاولة تحريك الثوابت بالتغيير أو بالتحوير، وأحيانًا بالتزوير عن طريق الوكلاء والعملاء والأذرع الثقافية.

هذه الاحتكاكات المتعددة بين غضب ورضا، وبين نعومة وخشونة أوجدت في الواقع نوعين من الخطر دخلًا معًا على خط المواجهة مع أمن الشعوب والسلم الاجتماعي، لا يقل أحدهما عن الآخر في تطرفه وتعصبه وحماقة سلوكه، وكلاهما وجهان لعملة واحدة مزيفة تهدد السلام والأمن وتستبيح الآخر ثقافة وحضارة وتاريخًا وحتى إنسانية وكرامة. أحدهما العنصرية التي تنمو بسرعة ويزداد أعداد المنتسبين إليها كل يوم، والأخر هو داعش.

الخطر ذو الوجهين: داعش والعنصرية، لم ينشأ من فراغ، وإنما تغذت جذوره ونمت من كتابات برنارد لويس وتلاميذه من أمثال دانيال بابيس وصموئيل هنتنتنجنتون وتوماس فريدمان الذي كان مراسلًا لصحيفة نيويورك تايمز، وقدم مقالًا نشر في جريدة التايمز في أكتوبر (تشرين الأول) 1990 لم يكتف فيه بتقليد برنارد لويس في كراهيته للإسلام، بل أكد مع مجموعة أخرى من أصحاب نفس التوجه اليميني المتصهين في المقالات الصحفية والمحاضرات العامة واستغل مناسبات الظهور في الإعلام ليؤكد طوال التسعينات من القرن الماضي على أن النزعة الإسلامية قد حلت محل الشيوعية باعتبارها الخطر الأكبر على الغرب وإسرائيل، واقترح: أن اجتثاث هذا الخطر لا يكون إلا بموقف عدواني حازم بما في ذلك استخدام القوة العسكرية.

هذه الدعوات لا تكشف فقط عن نزعات الشر، وإنما تمنحها مبررات فلسفية محملة بنظرية الصراع بين جنس متفوق وأجناس أخرى دونية.

وقد يتساءل البعض: لماذا يوجد هذا الإحساس لدى الغرب؟

الإجابة الأولية السهلة تكمن في الرغبة الدفينة لإشكالية التحيز لدى بعض المفكرين، والتي تدفعهم دوما للعمل على تقوية الأقوى وإضعاف الأضعف.

لكن الإجابة الصعبة تحتاج لاستحضار حجم المصالح وروح الاستعمار والرغبة في التفرد بقيادة العالم لجنس بعينه، وجشع وتوحش الرأسمالية ورغبتها المستمرة في صناعة بؤر ومناطق للصراع تستدعي انتعاش أسواق السلاح واستمرارها في التخلص من المخزون القديم، ثم تطوير الجديد وتجربته، وهذا كله يقتضي وجود صراعات ملتهبة تجري بسرعة لاقتناء السلاح والحصول على أحدث ما أنتجته صناعة الموت من أدوات الفتك والتدمير. وبحث هذا الموضوع جهد يتعدى إمكانات الأفراد، ويجب أن تقوم به مؤسسات أبحاث نزيهة لا تخضع لنفوذ الممول، تبحث الأسباب وتحلل الظواهر في تجرد علمي رصين.

النماذج السابقة لهذا الفكر المعتل بالتعصب والكراهية والمسكون دائما بالرغبة في تشويه الإسلام وحصار أتباعه تشكل مساحة سلبية في العلاقات بين الإسلام والغرب، وهي ـ مع شديد الأسف ـ الأعلى صوتًا والأكثر ضجيجًا والأقوى تأثيرًا، الأمر الذي يزيد من قتامة الصورة وكآبة المشهد، ويرفع من حجم التوجس والخوف على مستقبل العالم من جنون الراديكالية حين يتنازعها طرفان التعصب والعنصرية من جهة، وإلإرهاب الأعمى الذى تمارسه بعض الجماعات والتنظيمات، بالإضافة إلى إرهاب الدولة من جهة أخرى، وهو إرهاب خبيث يستثمر إرهاب التنظيمات ويستثمر فيه، وتلك حالة من سوء المنقلب للدنيا تجعل العدوان على حياة الناس بكل أساليب الموت هو الخيار الأفضل لطرفي الجنون الأحمق.

من الأسباب التي تغرى بالجنون الأحمق وتغذيه وتغرى بالمزيد منه والتجاوز فيه ضعف الطرف الآخر وفقدانه لوسائل الدفاع عن نفسه وحماية ذاته الثقافية والحضارية، وبخاصة عندما تعيش الأمة حالة الاستلاب الحضاري فتتنكر الدنيا لعطائها السابق وينسب كل انجاز حققته في مسيرتها لغيرها أو يتناساه الجميع، وهذه الحالة يصاحبها عادة نوع من التراجع والانحسار والعجز عن التأثير في الواقع لتقف الأمة موقف المفعول به المنصوب لتلقي السهام وفي أخص خصوصياتها وخصائصها.

الحروب في الشرق الأوسط مشتعلة، وبخاصة في المناطق العربية، وفيها يتم عمدًا تغليب طائفة على أخرى، وتتم عمليات تهجير قسري للبشر من القرى والمدن لخلق كل أسباب التوتر والفتن والانفجارات، والدول الكبرى تساهم وبشكل مباشر في هذه الفوضى بحجة محاربة الإرهاب، والضحايا بالملايين بين قتيل ومشرد ومهدد بالموت جوعًا.

الأفق في الشرق الأوسط مغلق بلا حلول جذرية للمشكلات، وتعقد تحالفات غير أخلاقية لصالح الأقوياء ضد الضعفاء تغيب فيها أبسط مبادئ الإنسانية، وانتهاكات لآدمية البشر بشكل مخيف، وتغييب كامل للقوانين الأممية، وتسهيل مهمة من ارتكبوا المجازر وجرائم الحرب وجرائم في حق الإنسانية للهروب من العقاب.

إحباط شامل على جبين العالم، وفشل فاضح لقياداته السياسية وبخاصة في منطقة الشرق الوسط، بينما في الغرب تزداد العنصرية وتكشف عن وجهها القبيح المترع بالكراهية للمواطنين المسلمين المقيمين منهم والمهاجرين، ويشعر المسلم بوضوح أنه مستهدف بالتمييز لمجرد أنه مسلم.

· رد الفعل الطبيعي في الجهة الأخرى لكثير من المسلمين كان هو التقوقع والعزلة بغية الحرص على ما تبقى لدى الذات من ثوابت القيم بحجة حمايتها بعدما انكشف السقف الحضاري وتوحش الغول. ومن ثم يبدو الواقع شديد الكآبة بغير شك.

·غير أن المتفائلين ومعهم المؤمنين بانتصار الخير على الشر لهم رأي آخر يتسم بالإيجابية ويحمل بريقًا من أمل جديد، وبصيصًا من نور مشرق حيث يرون أن الأمة في نهاية النفق المظلم، وقد أوشكت على الخروج منه، وستبدأ في التعافي من آثاره المرة، ومن ثم فهم يتطلعون إلى دور جديد لحماية العالم من هذا الشر تقوم به وتبعث به إلى الوجود قيادات جديدة ترى المصالحة والتوافق هي السبيل الوحيد للتعايش بين الأمم حيث يستحيل علي أي طرف محو الطرف الآخر من الوجود، وهذ الأمل المعطر بالأمنيات الحلوة للمتفائلين ربما تقويه وتغرى بقرب تحقيقه إقدام قيادات روحية لها ثقلها ومكانتها العلمية عالميا في مقدمتها الأزهر والفاتيكان، وكان العالم قد شهد منذ مدة قصيرة لا تزيد عن عامين لقاءً محملًا بعمقه التاريخي ووزنه الثقافي وثقله العلمي وتأثيره الروحي بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، فالأزهر كمحضن لعلوم الدين – لغة وثقـافة وحضارة – بدأ في حوار هادئ غير مسموع بعد، مع الفاتيكان بثقله الديني والروحي، ومكانته وإمكاناته السياسية.

ثم توجت هذه الجهود الخيرة بمؤتمر عن الحرية والمواطنة عقد في قاهرة المعز  في الفترة من 28 فبراير (شباط) : 1 مارس (أذار) 2017، والذي يحمل: إعلان الأزهر للعيش الإسلامي المسيحي المشترك، ومن ثم فقد تحققت خطوة كبيرة في سبيل توطيد مكانة الحوار وتثمين دوره في التقارب والتفاهم وتقريب وجهات النظر، حيث اجتمعت قمة المكان بالاعتبار الجهوى والجغرافي، والمكانة بالاعتبار العلمي والثقافي في العالمين الشرق والغرب، وهذا في حد ذاته مكسب كبير لعالم الخير والأخلاق والقيم ـ إذا أحسن توظيفه واستثماره في الضغط على مراكز القرار باتجاه تغليب السلم العام والسلام العالمي على محاولة كسب أصوات الناخبين ، والكف عن تخويف المجتمع بهاجس الأمن لتمرير أهداف أخرى، والتلويح دائما بمحاربة الإرهاب وامتهان معناه في إدراج كل خصوم النظام في قوائمه لتكريس الديكتاتوريات وخنق الحريات وإحكام قبضة الاستبداد على كل شيء، وإسكات كل صوت مخالف، حيث شاهد العالم أنظمة دكتاتورية مستبدة تدعي محاربة الإرهاب وتتخذ منها حجة وستارًا لاستباحة خصومها السياسيين قتلًا وسجنًا وتشريدًا حتى وصل الأمر إلى قتل شعوبها، وتهجيرها في عمليات مكشوفة لفك وإعادة التركيبة السكانية على أساس طائفي ممقوت. وهذا ما يؤكد مرة أخرى فشل القيادات السياسية في إدارة الدول وبخاصة في العالم الثالث، الأمر الذي يتطلب إيجاد البدائل التي تحمل في رؤوسها عقولًا تفكر وقلوبًا تنبض بالرحمة، وليس غرائز ذئاب ووحوش تنطلق بلا حدود أو قيود.

دواعش العنصرية والكراهية لا ينحصرون في برنارد لويس وتلاميذه في الغرب فقط، فقد كون هؤلاء جذور العنصرية، غير أن شجرة الزقوم نمت أغصانها لتشمل مؤسسات ومنظمات، مثل بيغيدا الألمانية ومؤسسها طباخ يدعى لوتز باخمان، والمنظمة المنشقة عنها: ليغيدا، وهي الحركة الأكثر تطرفًا، وشخصيات في مراكز القرار أو في الطريق إليه، مثل بولين هانسون في استراليا وخيرت هليدرز في بولندا، ويتقدم هؤلاء مؤخرًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه، وهناك غيرهم في لعبة صناعة العداء ضد الإسلام والمسلمين في الغرب.

كما ينضم إليهم في داخل مجتمعات المسلمين ويدخل معهم – لكن من باب الخدم- عبيدهم ومواليهم ممن يأكلون على كل مائدة، وينوحون في كل مأتم، ويرقصون في كل فرح، وهؤلاء كانوا يظنون أن الأزهر أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء، فلما رأوه يتحرك في الجانب الإيجابي بجسارة واقتدار، وأن شيخه يملك بقوة منطقية أن يضع النقاط على الحروف، وأن يكشف ازدواجية المعايير في الغرب حين يتعامل مع الإسلام، وأنه يشطب من قوائم الإدانة ممارسات عنف لآخرين ويغض الطرف عنها، بينما يستبقي الإسلام وحده في قفص الاتهام، هنا علا صراخهم وهذيانهم وسخافاتهم بعدما تلقوا إشارات الهجوم. في مصر والعالم على الأزهر وشيخه وبشكل رخيص فراحوا يطالبون بتهميشه وإسكات كل صوت له واستقالة شيخه.

ترى … من ينتصر؟ هل تنجح العنصرية والكراهية ومعهم داعش؟ وهل تكفي النوايا الحسنة لينجح صوت الضمير والعقل ممثلًا في الأزهر الشريف والفاتيكان ومعهم كل شرفاء العالم؟

من يعرف الإجابة فليخبرنا، وله منا كل التقدير والحب.

المفتي العالم للقارة الأسترالية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد