أصبحت ظاهرة العنف ضد النساء مستفحلة بشكل كبير خصوصًا في المجتمعات العربية، وحين نتكلم عن هذا النوع من العنف غالبًا ما تُوجه أصابع الاتهام إلى الرجل بوصفه هو الذات المُمارسة له، لكن لم نتساءل يومًا عن دور المرأة العربية في ارتفاع معدلات العنف النسائي في بلدان العالم العربي.

عند الحديث عن المجتمعات الذكورية، فهذا لا يعني أن الرجل وحده يتحمل عبء هذه التسمية وأفكارها، بل المرأة بدورها تدفع بهذه الأفكار إلى البزوغ في الساحة الاجتماعية، فقد أصبحت تحمل نوعًا من المعتقدات الفكرية غير المعقولة، إذ إنها  تتلذذ بلعب دور الضحية، تمضي كل وقتها في التذمر والشكوى، باحثة عن الشفقة في أعين من يحيطون بها بدل التصرف ومعاقبة من ينتهك حقوقها، ففي اللاشعور الخاص بها ترى أن الطلاق هو سبيل إلى الخواء والعدم، وتبرر ذلك بالعبارة المتداولة بين الأوساط النسائية والتي تستفزني شخصيًّا «الطلاق عيب»، وكأنها ترتكب جريمة شنيعة لمجرد أن تطالب بحقوقها الإنسانية.

يرجع هذا إلى امتداد تاريخي قديم استمد أفكاره من النظرة المتشددة التي تقصي المرأة وتراها كيانًا ضعيفًا بالمقارنة مع الكيان الذكوري، حتى أصبح الضعف شيئًا حتميًّا ومصيريًّا في قاموس المرأة العربية لا سبيل لتغييره، فأصبحت هي الأخرى تحمل عقلية ذكورية تحكم بها نفسها وتقيدها، فتُحرم من أبسط حقوقها، حق الحرية وحق التعبير تحت الكذبة التاريخية الكبرى التي ضخمت من الرجل على حساب المرأة.

إنها ترى في القسوة والتعنيف بكل أشكاله نوعًا من اللذة حتى ولو لم تعترف بذلك، إذن فكيف لنا أن نحد من العنف ضد النساء إذا لم نعالج المشكلة من أساسها؟ فيجب أولًا البدء بتحسيس (توعية) المرأة وكنس بعض المعتقدات الخاطئة المترسخة في ذهنها، وتوعيتها أنها خلقت حرة طليقة لا سلطة لأحد عليها، وبصريح العبارة أقول إن الأنثى التي تُعنف منذ سنين دون أي رد فعل غير التذمر وتقمص دور الضحية هي أصل تفشي مشكلة العنف النسائي، خصوصًا في الأوساط الزوجية والعائلية.

صحيح أن بعض النساء العربيات يدركن هذا ويحاولن الخروج من هاته المتاهة بأقل أضرار ممكنة، لكن هؤلاء فئة قليلة بالمقارنة مع الفئة الأخرى التي تمثل النساء القرويات والمرأة التقليدية بصفة عامة، إذ يشكلن أغلب نساء المجتمع.

وهذه الأفكار قد تشبعت بها المرأة، أولًا انطلاقًا من النظام الأبوي المتسلط الذي يسيطر على المرأة بوصفها أداة إنتاج وجب التحكم بها ولو باستعمال الضرب والعنف، وهي بدورها تكون خاضعة مستلذة بهذه الممارسات؛ لأنها تقوم على صفة الشرعية و«البيولوجية»، ثم الأمهات اللواتي يلعبن دورًا أساسيًّا في نقل هذه الأفكار الشاذة من خلال التربية، فتصبح المرأة خاضعة وتابعة للجنس الآخر، فلا يصبح لها دور غير تضخيم الهيمنة الذكورية وتطعيمها بشتى الطرق المتاحة، ثم إن غرس أفكار مسوسة من قبيل كون المرأة مجرد جسد مادي، ودورها يقتصر على الإنجاب والتربية، جعلها  تمنح الرجل سلطة السيطرة عليها بوصفه أكثر قوة وفطنة منها، وبالتالي فهي ترى في سيطرته هاته نوعًا من الحماية ولو كان الأمر عكس ذلك، وما أثار انتباهي أكثر هو نظرة المرأة إلى الرجل بشكل يثير الغرابة، فهي تعد العنف معيارًا للرجولة، إذ إن الرجل الذي يحترم المرأة ويحرص على حقوقها في نظر بعض النساء يفتقر لإحدى الصفات الرجولية المرغوب فيها، وبهذا فإنهن ينادين بالعنف بشكل صريح ويضعنه في مواصفات شريك حياتهن.

إنها معضلة اجتماعية معقدة وجب الوقوف عندها بهدف الإتيان بحلول من شأنها أن تخرج النساء من دوامة العبودية المستحبة لقد حان الوقت للتخلي عن النظرة الدونية إلى الذات الأنثوية من أجل المضي قدمًا، فمستوى المجتمع يحدد من خلال نظرته إلى المرأة.

صحيح أن للرجل يد في تفشي العنف فنحن لا نسقط عنه هاته المسؤولية، لكن المرأة تزيد من شعوره بالاستحقاق والسلطوية من خلال استضعاف نفسها؛ إذ ترى أن الضعف والخضوع والعنف والتبعية قدر لا سبيل إلى تغييره. إن الحركات النسوية وجب عليها أولًا محاولة تغيير الذهنية النسائية، ومعالجة الخلل فيها قبل الخروج في مظاهرات واحتجاجات ضد الرجال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد