إن من أهم مشاكل القيم افتقارها إلى من يجسدها، وتندرج فكرة قراءة تجربة الإعلامي البريطاني الجزائري الأصل عبد الفتاح بوعكاز ضمن تصورات التزمت بها وهي (ضرورة ربط المبدأ بالشخص والعصر الراهن).

وهو ما يرفع قدر تمثلها ومناسبتها للحياة، فقيمة كل فكرة ليس فقط (صوابيتها) بل (إمكان تحققها).

قد يعترض قائل فيقول: وماذا لو تخلف من كتبت عنه من الأحياء، فانقلب على المبادئ التي سبق والتزم بها؟

وجوابي: حتى لو فرضنا أن شخصًا ما تحدثنا عنه وخالف الفكرة التي كان مؤمنًا بها، فهذا لا يضر أبدًا نصاعة المبدأ، بل يؤكد على أن:

أولًا: المبادئ تظل مطلقة في حقيقتها وأنها تعلو ولا يعلى عليها.

ثانيًا: المبدأ ثابت والجهد البشري متغير، وأن ثبات المبدأ وشموخه من علاوته على الجهد البشري، وأن قصور الجهد البشري دليل على رفعة المبدأ.

ثالثًا: مهما حاول الفرد ملامسة القيم، وعلى الرغم من كل محاولات الإنسان المتكررة للإيمان بالمبدأ إلا أن المبدأ هو الأعلى والأنقى والأرقى شأنًا فهو الأصل والسلوك الإنساني نموذج ولا يصح محاكمة الأصل على النموذج.

مع الربيع قبل أن يصير خريفًا

من هنا تأتي قيمة التحدث عن الإعلامي بوعكاز الذي استطاع نقل الفكرة من حيز التصور إلى واقع التطبيق المهني نتيجة خبرته الإعلامية، لم يكتسب شهرته من حادث كان غريبًا على البرتوكول الإعلامي حيث قطعت نشرت الأخبار بعد أن علا بكاؤه على الهواء مباشرة في قناة (فرانس 24) وهو يشاهد صحافية تتنقل بين الجثث وتستجوب المصابين بين الأشلاء في مجزرة داريا.

الرجولة لا تموت

هذا ما يؤمن به بوعكاز فقد كان أول إعلامي عربي غير سوري يدعو لإنصاف ثورة العصر اليتيمة الثورة السورية حيث قال: من الإنصاف في تغطية الملف السوري أن نفصل الثورة عن المعارضة.

هناك نظام ومعارضة وثورة

في الواجهة بقي النظام والمعارضة التي تعارض كل من يعارض النظام. أما الثورة فقد حوصرت في الداخل، ولم يعد لأصحابها خيار غيرها، لكن ثلة قليلة محارِبة محارَبة ما زالت تعلي رايتها في الخارج أيضًا.

من سكيكدة إلى دمشق ومن ثم بريطانيا فالعالمية

ولد أستاذنا بوعكاز في مدينة سكيكدة الجزائرية وتعلم في ربوع دمشق الشام، وكان شاعرًا مطبوعًا صدر له ديوان شعري، ثم فتح ذهنه ونمت ثقافته في بريطانيا وتوج ذلك كله بخبرة متجددة المشارب حيث بدأ بمسيرته الإعلامية التي تنقل فيها بين عدة مواقع من مقدم ومحاور ومراسل وقارئ للبرامج الوثائقية، واستوقفته تجربته داخل غرفة الأخبار بشغل رئاسة التحرير في قناة العرب الإخبارية.

تجاربه في الإعلام تجاوزت حد الصحافة حيث تقمص شخصية ابن بطوطة بصوته في بطولة فيلم Journey To Makkah وكانت نسخته الإنجليزية للمثل الإنجليزي Ben Kingsley كما كانت له مشاركة صوتية أخرى في فيلم Kingdom of Heaven للمخرج العالمي Ridley Scott حتى صار الصوت الأغلى تكلفة في بريطانيا.

كما تعددت مجالات العمل الصوتي لديه فترك بصمته في الدليل الناطق لدى متحف البحرين ومتحف الفن الإسلامي في الدوحة ومتحف اللوفر في أبوظبي وأجهزة طبية ناطقة باللغة العربية.. وعدة كتب ومؤلفات أهمها (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) لمؤلفه عبد الرحمن الكواكبي حيث يشرف على إدارة قسم الإنتاج في شركة (راوي الكتب) ، ومن عالم الأخبار والسينما يعكف بوعكاز الآن على وضع لمساته الأخيرة على سلسلة قصصية للأطفال ومشروع إعلامي يلوح في الأفق لم يعلن عنه بعد.

تعدد يغني ولكنه فوق الولاءات الضيقة

في رده على من يريد تصنيفه بين الأستاذ بوعكاز (عملتُ لدى قناة العرب السعودية السلفية وقناة فرانس٢٤ العلمانية وقناة الحوار الإخوانية وقناة العالم الشيعية وشبكة الأخبار العربية المخابراتية وقناة المستقلة الشعبوية عملت معها جميعا بحرية ومهنية وعدم انتماء وتعلمتُ الكثير في كل محطة، وإلى حد اليوم لدي تواصل طيب مع من فيها). هذا التعدد في مشاربه المهنية منحه قدرة على التوازن والتريث وصناعة وتكوين الرأي العميق غير المنمق الذي لم يسترزق بمال الإعلام المؤدلج، حيث لم يكن في ممارسته المهنية يستنطق الشهرة بالتأجيج الفتنوي ولا المفرقعات الكاذبة والعيارات النارية بل كان مرتبطًا بقضايا الحياة، وانشغالًا بالذات في معترك الوجود. يقول بوعكاز (بدل التعاطف الافتراضي مع الوهم، هناك ما هو أهم.. التوعية بأخطار الاستبداد ومخططاته لتضليل الناس.

الإرهاب دينه المخابرات

فما هي أطروحته الأساسية في الإعلام؟ وكيف قرأ مهنة الإعلام خارج التصورات الرسمية التي دأب عليها الصحافيون والإعلاميون؟

التطبيق العملي للقيم في مهنة الإعلام

وضع أستاذنا بوعكاز أسسًا عملية لها قيم محددة لمهنة الإعلام تجلت في بنود غير تنظيرية لكنها، ملموسة واقعيًا حيث جرد الرجل حرفته من أي أيدلوجية.

فهو يؤمن بأن (الصحافة مهنة من لا أيديولوجية له) وهي البند الأول في أطروحته الإعلامية وممارسته أيضًا.

ثمة قوة موجهة ومبطنة للإعلام وهي يد الاستخبارات، حيث يصرح بأنه (واهم من يعتقد أن التهويل الإعلامي سيضغط على الدول للإعلان عن الأدلة الآن، هناك جبهة أقوى من الإعلام والسياسة والقضاء إنها الاستخبارات (هي التي تحدد المصالح وكمية الأدلة وتوقيت تسريبها)

وبهذا يبين أن الحقيقة قد تصنعها يد شقية تزيف الواقع وترهن الخبر أيضًا وهذا هو البند الثاني.

ويفك شيفرة التدويخ وصناعة الرأي العام. حيث يقول بوعكاز (كلما ألهونا بأخبار هنا فاعلم أنهم صرفونا عن أخبار هناك).

إنه يذكرنا بالنص الفكاهي الذي ينم عن دراية عميقة وذلك بما كان يردده حسني البورظان الذي لعب دوره الفنان الراحل نهاد قلعي في (صح النوم) المسلسل السوري الأشهر حيث كان يريد أن يكتب مقالة سياسية، لم يتجاوز فيها جملتها الافتتاحية الشهيرة: إذا أردنا أن نعرف ماذا يحدث في البرازيل، علينا أن نعرف ماذا يحدث في إيطاليا.

إنه البند الثالث في نظرية بوعكاز الإعلامية التي تبين أن فكرة الاحتواء ولفت النظر وتشتيت الذهن سياسات دولية مدروسة وممنهجة وليست عابثة.

ومن ثم ينتقل إلى البند الرابع: وهو الحشو بالأكاذيب وتجنب التزييف في الوعي (سياسة النهش لدى خاطفي أوطاننا “اكذب ثم اكذب حتى تنسى أنها كذبة وستجد من يصدقها ومن يدافع عنها ومن يروج لها).

لقد بنى بوعكاز نظريته على مصارحة يسديها لنا بقوله: (القضية العادلة لا تندرج في ميزان الرأي والرأي الآخر، بل في ميزان العدل والخيانة). لا يعد الإعلامي بوعكاز أن وجهة النظر التي تدعم اللاشرعية شرعية.

مواجهة التطرف السياسي وأسلحته

يلفت بوعكاز نظر المهتمين إلى أن أول ضحايا السياسات العربية هو الدين حيث يعلنها أن (أعظم جريمة تقوم بها الأنظمة العربية هي التجارة بالدين)، ويتابع بوعكاز بيان أكبر فساد في البلاد العربية تجلى في (تشريع الفساد وتقنين القتل). ويواجه بوعكاز العقل السلطوي الذي يتبع (من خالفك الرأي ألصق به تهمة الانتماء إلى أعدائك، لستُ طبيبًا، لكنني أتوقع أن يكون هذا مرضًا نفسيا يبرر لصاحبه استباحة حقوقك). وفي تساؤل خطير طرحه وأجاب عنه بوعكاز يبين بعض الجرائم لا توصيف لها إلا أنها جريمة سياسة ونظام.

لماذا تسييس الجريمة؟ يجيب لأنها بكل بساطة جريمة سياسية شنيعة.

يبدو أن بوعكاز يسير على خطا مالك بن نبي حيث يرى المشكلة تتجلى في الحضارة ويبدأ بوعكاز بتفصيل رؤيته لبناء مجتمعات متحضرة وتتمثل في خطوتين:

الخطوة الأولى: الأزمة الدستورية وضرورة وجود المؤسسات المجتمعية المستقلة:

1- أكبر مصائبنا في استعمار رحل واستعمار العسكر الذي استبدله.

2- إذا استطعنا القضاء على العسكر يهون كل شيء.

3- ومن الطبيعي أن يختلف الناس بعد ذلك ويتنافسوا بلا سلاح ولا دم.

4- مشكلة أوطاننا ليست الحركات الإسلامية بل الأنظمة الدكتاتورية. (التغيير الحقيقي يأتي من منصات القضاء وليس بتطويع مؤقت للقرار السياسي، المظاهرات لم تعد مجدية)

5- كل الحركات السياسية جزء من المجتمع المدني وللجميع حق ممارسة السياسة شرط ألا يكون وصيًا على الآخرين ولا يجعل من انتقاده انتقادًا للقرآن. غير هذا يجوز يجوز يجوز).

الخطوة الثانية: هوية المجتمع وضرورة تحرير الدين من الفهوم الضيقة:

ومع أهمية الدين في بناء المجتمعات إلا أنه لا يملك حلًا سحريًا: وبمكن إيجاز رؤية أستاذنا بوعكاز بالنقاط الآتية:

• المشكلة في فهم الدين ليست جديدة.

•الدين لا يصنع لك حياة.

• ليس كل ما نعيشه يجب أن يوضع في ميزان الحلال والحرام

• الأصل في الحياة الإباحة ولا نتكلف البحث عن الأحكام.

بقي أن أشير إلى أنه حاول فصل مشاعر الاحتقان بقوله عندما نشعر بالظلم نتعلم القسوة، وأول ضحية نقسو عليه هو أكثرُهم طيبةً ظنّا منا أنه الأضعف، وعندما يقاومنا نتهمه بالظلم والقسوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد