“منّا الجندُ ومنّا القادةُ ومنّا عشّاق الموت…” عبارة تمثلَها أبناء الإتحاد الإسلامي لأجناد الشام واقعاً على الأرض, فكانت سلسلة طويلة من الذين قتلوا جنوداً وقادةً تسابقوا نحو الموت, جنوداً بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره وألا ينازعوا الأمر أهله, وقادة تقدموا الصفوف الأول فكانوا القدوة وضربوا أروع الأمثال في سجل الثورة والحرب.

 

في هذه الترجمة المشرقة نحاول استحضار الذاكرة لنسلّط الضوء على قائد المعارك من القادة الميدانيين في الإتحاد الإسلامي لأجناد الشام وقد ذكر آنفاً في سجل الخالدين وفي صحائف أعماله, فهو القائد الذي سطر بخططه وتكتيكاته العسكرية أروع ملاحم البطولة, القائد المطارد الذي آوته سهول وبساتين غوطة دمشق, فافترش الأرض والتحف السماء, صقلته التجارب فانتقل من ميادين الطب للقتال والحرب ضد قوات النظام السوري.

 

تعرّض لأشد أنواع التعذيب في سجون النظام السوري, ليخرج منها أشد صلابة ليقوم بتجنيد العناصر الفاعلة وتدريبهم وتكليفهم بالمهام القتالية التي ينتظرها الوطن المسلوب, رجل صدق العهد ومضى على نهج أسلافه من الرجال, قاد العمليات العسكرية ضد قوات النظام وتذوق حلاوة القتال, ومن الصعب على النفس التي تذوقت حلاوة القتال أن تعيش إلا بين أزيز الرصاص وصوت المدافع وهدير العبوات الناسفة وأصوات الصواريخ ممزوجة بدفء إيمان القلوب بالله العظيم الذي لا يضيع أجر العاملين.

 

انضمامه لصفوف المتظاهرين وانتقاله للعمل العسكري

كاسم خالد حلاوة المكنى بأبي الوليد, ولد في مدينة دوما عام 1989م, مع انطلاق الثورة السورية في آذار/مارس عام 2011م انضم أبو الوليد لصفوف المتظاهرين السلميين المطالبين بالحرية والكرامة في مدينة دوما, وقاد الكثير من التظاهرات دون الإفصاح عن شخصه واسمه أو حتى أي معلومات عنه لغاية في نفسه, أوضحها لاحقاً لأساتذته ومدرسيه الذين استشارهم بالذهاب طواعية لجيش النظام مع بداية الثورة؛ ليتلقى التدريب العسكري وينشق عنه بعد ذلك!

 

وافقه معلموه على هذه الفكرة، ولكن قدر الله أن ذهب للخدمة الإلزاميّة وانشقَّ بعد عدة دورات في القوّات الخاصّة لينكشف أمره وهو يحاول الانشقاق مع ثمانية من أصحابه ويودع في السجن من فرع لآخر، ليودع في فرع فلسطين ثم الأمن العسكري وانتهت رحلته في سجن “صيدنايا” العسكري, أمضى فيه ستة أشهر يلاقي أشد أنواع التعذيب من الشبح والصعق بالكهرباء والضرب والإهانة, حتى استطاع الهرب من السجن أثناء نقله لسجن أخر من السّيّارة التي تُقلّه للسجن بذكاء ودهاء في حادثة غريبة قلّما تنجح.

 

توجّه بعدها للغوطة وبلده دوما حيث أسَّسَ نقطة إسعاف ميدانيّة عامّة لجميع الفصائل والمدنيين، وكانت الأولى من نوعها في الغوطة، وبالاشتراك مع بعض الأطبّاء في الغوطة، وكان أبرز من ساعده في تأسيسها صديقه الشّهيد المنشق والممرّض أبو البراء سليك.

 

بعد مرحلة تحرير الغوطة كانت فكرة تأسيس الاتحاد الإسلامي لأجناد الشّام من قِبَل كتائب شباب الهدى وكتائب الصّحابة، وانضمَّ بعدها وأسّسَ الأجناد بعض الفصائل الأخرى، وقد كانَ مؤسّسا للأجناد وساعياً لنجاحه، وعُيّن فيه القائد العسكري للاتحاد الإسلامي لأجناد الشّام، ثمَّ بعد إعادة الهيكليّة كان القائد العسكري للاتحاد الإسلامي لأجناد الشّام في قطّاع الغوطة الشّرقيّة

 

بعد أن تلقى التدريبات العسكرية في جيش الأسد باختصاص قوات خاصة عيّن القائد العسكري للإتحاد الإسلامي لأجناد الشام, أبو الوليد أوّل من أطلق مراكز تدريب عسكري وبدني للثوار في غوطة دمشق، حيث يخضع منتسبي الكتائب الجدد لدورة تدريبيّة عسكريّة شاقّة وتخصّصية ويكون بعدها الفرز بحسب الاختصاصات, شكَّل كتائب شباب الهدى مع بعض إخوانه ومن أبرزهم الشّهيد عامر كحلوس، والتي كانت مؤسّسة عسكريّة حقيقةً بكل ما تعني الكلمة من معنى، بمكاتب إداريّة وتسلسل هرمي عسكري, وكان القائد العسكري لكتائب شباب الهدى حينها.

 

من ميادين العلم والمعرفة إلى خطوط القتال

كان في ميدان الدراسة والتعلم مثالاً للانضباط والالتزام وينفذ ما يطلبه منه مدرسيه, وفي ميدان القتال والحروب كان يقترح ويشارك بالأفكار والخطط, شارك في فعاليات الثورة السورية المسلحة كأحد قادة كتائب شباب الهدى في غوطة دمشق.

 

وكان يقوم على خدمة المنشقين بتأمينهم في المناطق المحررة وحمايتهم من قوات النظام, أبو الوليد خريج معهد طبي اختصاص فني تخدير، كان من أوائل من أنشأ نقطة إسعاف ميداني في غوطة دمشق، وبعد عمله الطبي في بداية الثورة تحول للعمل العسكري.

 

وكان قائداً مميزاً في المعارك و الاقتحامات, لا تكاد تقوم معركة في الغوطة إلا وله سهمٌ فيها إذا لم يكن على رأسها, هادئاً حازماً حاسماً لطيف الطبع خلوق المعشر ممازحاً لمن حوله محبوباً من الجميع، كان همه أبناء البلد وكيف السبيل لحمايتهم من غدر النظام، وهمه الجبهات، لا يفتر من جبهة لجبهة لإيجاد حلول لثغرات العمل العسكري، لا يفتر عن الاتصال والتنسيق بباقي الفصائل للأعمال العسكرية، في المعارك يتقدم إخوانه في الصفوف ويثبتهم.

 

خططه العسكرية تتميز بالنوعية والأولوية فيها سلامة الثوار, فلا ترى مجاهداً قلقاً من خطة اقتحام أعدها أبو الوليد, كان قائد غرفة عمليات المليحة الأسطورية، قرابة الخمسة أشهر لم يغادر تلك الغرفة والجبهة حتى انتهت المعركة, وواضع خطة اقتحام معمل الأدوية “تاميكو” بعد ثلاث محاولات قبل خطته باءت بالفشل, ومخطط معركة “أيام بدر” في حي جوبر الدمشقي, وقائد تحرير كتيبة “الشّيلكا” في مرج السّلطان، وكتيبة “أوتايا” وكتيبة “كمال مشارقة” القريبة من دمشق, وقاد معركة لهيب الغوطة مؤخراً في جبهة حرستا عند إدارة المركبات ورحبة الدبابات وأتستراد دمشق حمص.

 

مخ مدبّر وعسكري محنّك

اعتبرته شخصيات عسكرية بأنه المخ المدبر والعسكري المحنك ورأس شورى المقاتلين في عمليات الثوار ضد قوات النظام, الاتحاد الإسلامي لأجناد الشّام أُسّسَ شكل مؤسّسة عسكريّة، ذات بناء هرمي، ودرجات عسكريّة، بحيث لا تتأثّر هذه المؤسّسة بفقد قائد أو غيابه, ولا ينكر وجود أثر نسبي في نفوس المقاتلين بعد رحيل القائد أبو الوليد، غيرَ أنَّ الأعمال العسكريّة مستمرّة ولم تتأثّر، بل على العكس فتقدّم المقاتلين بعد استشهاده زاد بشكل ملحوظ.

 

وأقرب مثال لذلك معركة “إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ” في قيادة أركان الإتحاد الإسلامي لأجناد الشام شباب كأبي الوليد صار لديهم خبرات بعد أربع سنوات من القتال والحروب والمشاركة في المعارك وتم تعيين نائبه بدلاً عنه.

 

حادثة الاستشهاد وتاريخها

كان ذلك في يوم الاثنين الموافق للواحد والثلاثين من شهر أغسطس/آب الماضي بعد إصابته بطلقة قنّاص في عمليّة استطلاع في جبهة حرستا بمعركة “إن ينصركم الله فلا غالب لكم” وبعد إصابته بثلاثة أيام وعراكه مع الحياة فاضت روحه الخميس الموافق للثالث من سبتمبر/إيلول الجاري.

 

رحل أبو الوليد ، وخرجت في وداعه المئات ، حمله مقاتلو الأجناد في إحدى مظاهر الغضب على الأكتاف في مدينته دوما, سجي الجسد الطاهر على الأرض للصلاة عليه, عندها وقف أحد المقربين منه ورفع السلاح وأقسم على مواصلة المسير على درب أبي الوليد حتى تحرير آخر شبر من سوريا.

 

وقبل أن يلفه التراب تعاقب على وداعه من طلبوا اللحاق به بصدق, كانت العبرات تختنق في حناجر المجتمعين وهم يستمعون إلى دعاء القائد العام للإتحاد الإسلامي لأجناد الشام أبي محمد الفاتح والقاضي العام لغوطة دمشق أبي سليمان طفور.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد