(1)

في مقابلته مع قناة سي بي إس قال السيسي «بلسانه»: «إن التعاون المصري الإسرائيلي في أفضل حالاته خلال هذه الفترة»، وأردف: «إن مصر سمحت لسلاح الجو الإسرائيلي بالتدخل ضد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء»، وهو ما نوهت عنه القناة، ثم أحجمت عن إذاعته في اللحظة الأخيرة في ما يبدو أنه استجابة لتدخلات إسرائيلية.

(2)

لم يكن في ما قاله السيسي جديد من ناحية المعلومات، فالتعاون المصري الإسرائيلي في أفضل حالاته، يرى ذلك بوضوح كل من لم يطمس الله على بصره قبل بصيرته، ولم يحدث في تاريخ إسرائيل أن سارعت لطلب سلاح لدولة أخرى -ناهيك أن تكون الدولة المفترض أنها الأشد خطرًا عليها- فإذا بها تسارع بالضغط على الولايات المتحدة لتقديم الطائرات الأباتشي للسيسي، وأما عن الغارات الإسرائيلية في سيناء بموافقة السيسي -وما عرفناه الآن أنه بطلب منه وليس مجرد موافقة- فقد أذيعت أخبارها في وقتها رغم كل التعتيم الإعلامي، الجديد في الأمر أنها تأتي في شكل اعترافات مباشرة على لسان رأس النظام المصري، وبالتالي لم يعد في مقدور أحد أن يشكك فيها، أو أن يقول إنها مجرد تقديرات أو توقعات يمكن أن تناقش، أو يقال إنها نسبية.

(3)

والسيسي هو من صرح لوول ستريت جورنال في 20 مارس (آذار) 2015، ونقلتها عنه جريدتا «المصري اليوم» و«التحرير» وغيرهما في اليوم التالي: «مصر لن تدير ظهرها لأمريكا، حتى إن أدارت أمريكا ظهرها لنا»!

(4)

ومن قبلها نقلت سي إن إن وغيرها تصريحات نبيل فهمي وزير خارجية نظام 3 يوليو (تموز)، في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأمريكية، يوم 1 مايو (أيار) 2014 (ووضع نص الحوار الإذاعي صوتًا وكتابة على يوتيوب)، قال: «علاقة مصر بأمريكا زواج، وليس نزوة ليلة واحدة»! وزاد واستفاض في المقارنة بين علاقة مصر والولايات المتحدة، وبين الزواج.

(5)

وهكذا فتعاون النظام، بل وانبطاحه التام المهين، وبياته الدائم في فراش أمريكا وإسرائيل -كما يشير وصفهم هم للعلاقة بالزوجية- أصبح أمرًا ثابتًا بالاعتراف وليس بالقرائن، في الوقت الذي ما زال إعلام النظام يفتري على الأبرياء الكذب بل البهتان، ويدعي هذا التعاون على الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي وعلى حركة المقاومة الإسلامية حماس، فالمنبطحون يتهمون المقاومين بأنهم هم الذين يتعاونون مع إسرائيل، وأنهم جزء من المؤامرة (الأمريكية- الإسرائيلية- التركية- القطرية- الإيرانية- الحمساوية)! ففي أمثالهم يقول الحق سبحانه «وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا».

(6)

وهذا يفسر -إلى حد بعيد- عدم إحساس إسرائيل بأي قلق تجاه التسلح المصري، سواء في صفقة طائرات الرافال، أو في حاملتي المروحيات أو غيرها، فإسرائيل تشعر بالأمان التام مع هذا النظام الحليف الأوثق، وهي تتفهم أن صفقات السلاح غرضها الأساسي شراء الشرعية، بالإضافة إلى عمولات السلاح وغيرها، دون أي إضافة استراتيجية حقيقية قد تؤثر في التوازن العسكري في حالة وقوع هذا السلاح في يد نظام جديد خلافًا لنظام السيسي، بل إن إغراق مصر في الديون هو أمر تسعد به إسرائي،ل وسيؤدي بكل تأكيد إلى مزيد من الخلل في التوازن لصالحها.

(7)

إذن من الخائن؟! من الذي خان ثورة يناير (كانون الثاني) وأعاد مصر إلى أسوأ عصور الاستبداد؟ من الذي خان تلك الثورة بل ويُخَوِّنها أيضًا كل يوم؟ من الذي خان تراب مصر وأباح أرضها وسماءها لأعدى أعدائها؟ من الذي تعاون مع إسرائيل؟ من الذي باع تيران وصنافير؟! من الذي رهن مستقبل مصر وكبله بالديون؟ من الذي قسمها لشعبين بينهما دم؟! من الذي ينفق مالها على هواه في مشاريع دون دراسات جدوى بل ويسخر من دراسات الجدوى ويزدريها؟!

(8)

فإذا كنا نفاخر برأفت الهجان الذي تغلغل في المجتمع الإسرائيلي، فكم رأفت هجان إسرائيلي يا ترى في أدق وأخطر مراكز صنع القرار في مصر والعالم العربي؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد