وهران وهران رحتي خسارة.. هجروا منك ناس شطارى.
*أغنية راي جزائرية

هذا المقطع من أغنية للشاب خالد سيكون جوابي إن سئلت عن ملخص لرواية الحبيب السائح «من قتل أسعد المرّوري؟» مع التشديد على حرف الجيم، «هجّروا».

لكن، في رواية الحبيب السائح، لم يهجر أسعد مدينته الباهية وهران، رغم فداحة ما ستلحقه من خسارة فيها حتى لما بعد جريمة قتله، رؤية لفداحةٍ لم يكن راضيًا أن يستمر في مشاهدتها تتحول لشيء معاش ببلاده، في ظل المنظومة التي تسيِّر البلاد كلها نحو مستنقع هو الأسوأ. بانزياح تام لكل المقومات التي تؤسس لحياة كريمة، سواء على المستوى السياسي، أو الأمني، أو الاجتماعي، في الجزائر والتي تقودها لتعاني انسدادًا على كافة المستويات، إلا، من تدفق لمزيد من الرداءة والسوء. لكن الأسوأ سيكون من نصيب أسعد المرّوري، بل سيلاحقه حتى إلى ما بعد اغتياله؛ ليعيش مرة وحيدة، ويغتال مرتين.

إذن، عن ماذا كتب لنا الحبيب السائح في روايته؟ كتب عن جزائر الرداءة، الجزائر التي يختفي فيها مثقفوها، وأكاديميوها، ومناضلوها، من أجل الحقوق المشروعة بعد أن قالوا: لا، يكفي هذا الآن. ووقفوا في الجهة التي يعلو فيها الضمير الحي، ضمير الإنسان، لا صوت الشرعيات التاريخية وغيرها، لكن النتيجة، موت، نعم هو بالذات ما حدث للأستاذ أسعد المرّوري، أين وجد جثة؟ في مقر حزبه بوهران سنة 2011 مـ «تلك السنة التي وصّفت بسنة الأحلام الخطيرة، لكنها للبعض كانت سنة للكوابيس المميتة»، وذلك بعد اختفائه المفاجئ لمدة أربعة أيام، لتكتشف جثته في اليوم الخامس.

من هذا الموت ينطلق الحبيب السائح في سرد روايته بالعودة بنا لحياة الأستاذ أسعد المروري، الأستاذ الجامعي، والمسرحي، والناشط الحقوقي، والنقابي، والسياسي اليسارين من خلال التحقيق الذي يجريه الصحافي لطفي –صديق المرّوري وكاتب إحدى مسرحياته– الذي لا تقنعه تلك الرواية الضبابية التي يحاول جهاز الشرطة تمريرها للرأي العام، وفرضها واقعًا حقيقيًّا «اغتيال على ضوء ممارسة الأستاذ لعلاقة حب مثلية، والتي لا تتوافق مع القيم المجتمعية والدينية السائدة في العلن والتي يراها شذوذًا»، والتي تلقى قبولًا في مجتمع يعيش يومياته على فضائحية الحكايات والشائعات، منصِّبًا نفسه قاضيًا على البشر، متناسيًا حدوده وحقوقه الأصيلة التي قد يكون المرّوري ذهب ضحية مطالبته بها لأجلهم،
يقول صوت من عمق الشارع : «حتى الأساتذة أصابهم بلاء قوم لوط! لو لم يكن شيوعيًّا هل كان يفعل ما فعله مع أحد طلبته؟». ص 62. بهذا التحقيق يتصادم الصحافي مع واقع يتكشف له، ويكشف لنا من خلاله الحبيب السائح عن تركيبات المجتمع الوهراني/ الجزائري الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وسيرورة العلاقات بين مختلف الأجهزة الأمنية، والسياسية، والمدنية التي تسيّر الدولة، وفساد منتسبين لها: «كلما كانت درجة فسادك أكبر تضاءلت درجة احتيال عقابك» ص 26، وسطوة بعض من أفرادها على القضاء الأحزاب الصحافة ص 122.
فساد مافياوي هو ما يحكم سير الأمور، نسترجع من الرواية حوارًا بين الصحافي رستم ورئيس التحرير: «من أين جاءت الخمسة قناطير من الكيف المعالج؟ وكيف دخلت ميناء وهران وشحنت ثم اكتشفت» ص 133.

بسوداوية تصويرية للوضع، وإن كانت غير مباشرة، تخبرنا الرواية عن كيفية إجراء التحقيقات الأمينة، والاعتماد الكبير للشرطة على المخبرين السياسيين ص 172، واختراق الأحزاب على الأقل في مسيراتهم ومؤتمراتهم ص 57، وعلى وسائل التعذيب عند الاستنطاق للمتهمين ص 196، مساومة الأطباء الشرعيين ص 66، رسم سوداوي هو للحياة العامة في الجزائر، هذا ما يخرجه القارئ من بين سطور رواية الحبيب السائح، وإن كان بطريقة غير تعميمية، ويلعب به على الهامش الذي تكفله حرية التعبير والرأي في بلد هو الجزائر.

لا يغفل الحبيب السائح حقيقة الواقع المر الذي تسير به البلاد وفق العلاقات الشخصية، أكثر من سيرورتها وفق القنوات الرسمية، التي تحكم العمل؛ فعلاقات الصحافي «رستم» مع المسؤول عن التحقيق «نسيبه»، ومع الطبيبة المسؤولة عن التشريح «حبيبته»، وعلاقات أخرى متشعبة، أساسها المعرفة الشخصية والمصلحة، هي التي تقود الصحافي رستم لمصادر مهمة في تحقيقه في البحث وراء حقيقة مقتل أسعد المرّوري، هذه الحقيقة التي لن يصل إليها رستم مع نهاية الرواية، وقوة السلطة التي تفرض واقعًا معاشًا على بلد بأكمله، فما بالك بقضية قتل، وإن كان لها صدى على المستوى الدولي ص 82. لكنه سيصل إلى حقيقة أخرى، ألا وهي حبه للطبيبة الشرعية لطيفة، هذا الحب الذي رافقنا على مدار صفحات الرواية، ولم أتطرق له فوق عند الكلام على الرواية؛ فجعلته خاتمة كلامي كالشيء الجميل وسط سوداوية الأوضاع والأحوال التي توّصفها لنا رواية الحبيب السائح.

كان هذا عرضًا لكتاب «من قتل أسعد المرّوري» للمؤلف «الحبيب السائح» من نشر «ميم للنشر فضاءات للنشر» وعدد صفحاته 227 صفحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد