هيباتيا، امرأة جميلة، وقورة، وذكية؛ في هيئتها جلال، وفي قوامها دلال؛ بعينيها زرقة جاذبة، وبجبهتها اتساع ونور، في ثوبها بهاء، وفي وقفتها وقار، يهابها من يراها، لم يُعرف عنا أنها تزوجت، كما لم يعرف عنها أنها آمنت بإله؛ بالرغم من احترامها وتقديرها من تلامذتها المسيحيين، سماها السكندريون أستاذة كل الأزمان؛ فهي أول امرأة في التاريخ يلمع اسمها في علم الرياضيات!

ولدت هيباتيا في عام 370 ميلاديًّا في مدينة الإسكندرية، تربت في أسرة اشتهرت بالعلم والوقار؛ فقد كان والدها العلامة الرياضي الشهير «ثيون»، الذى اعتنى بتعليم ابنته الذكية؛ فأرسلها في العشرين من عمرها إلى أثينا وإيطاليا لتقوم بدراسة العلوم والفلسفة، ولما عادت التفت حولها جموع غفيرة من التلاميذ، وأصبحت بالنسبة لهم رمزًا من رموز العلم والحكمة والفضيلة، وكانت تلقي دروسها في الرياضيات والفلك والفلسفة بالمسرح الكبير بالإسكندرية يوم الآحاد؛ حيث الجو هادئ، فمسيحيو الإسكندرية يذهبون إلى كنيستهم ليسمعوا لأسقفهم كيرلس!

مرت الأيام هادئة إلى أن جاء يوم الأحد من عام 415 ميلاديًّا؛ حين خرج الأسقف «كيرلس الأول» إلى مقصورته بالكنيسة وهو غاضب حزين، لم ينظر إلى مستمعيه فرحًا بشعبه كعادته، بل رفع يديه إلى السماء حتى انسدلت أكمامه عن يديه النحيفتين؛ وتحركت أصابعه في السماء، وقرأ بصوت جهوري هادر من إنجيل متى «أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك في السماء، وكذلك في الأرض…» «إنجيل متى 5: 7».

وظل الأسقف يكرر الصلاة، وأخذ الناس بالنشيج وهم يرددون وراءه، ثم فجأة خرج صوت ناري متأجج يقول: «يا أبناء الله، يا أحبَاء يسوع الحي، إن مدينتكم هذه، هي مدينة الرب العظمى، فيها استقر مرقس الرسول، وعلى أرضها عاش الآباء، وسالت دماء الشهداء، وقامت دعائم الديانة، ولقد طهرناها من اليهود، ولكن أذيال الوثنيين الأنجاس ما زالت تثير غبار الفتن في ديارنا، إنهم يعيثون حولنا فسادًا وهرطقة، وسوف ُيرفع قدر هذه المدينة العظمى بأيديكم أنتم، ما دمتم بحق، جنود الرب!».

وبهذه الخطبة العصماء؛ اهتزت الجموع هائجة، وراح كيرلس الأول يكرر بصوته الحماسي الآسر، قول يسوع: «أتظنون أني جئت لألقي سلامًا على الأرض؟ كلا؛ أقول لكم بل انقسامًا»! «إنجيل لوقا 12: 51».

وفي وسط هذا الحشد الهائل الهائج صرخ «بطرس» كالرعد قائلًا: «بعون الإله، سوف نطهر أرض الرب من أعوان الشيطان!».

وهنا رفع الأسقف كيرلس عصاه إلى السماء فرسم به صليبًا في الهواء، فاشتد هيجان الجموع وزاد، وتداخلت الهتافات واشتعلت، فعميت العقول والقلوب، وتحرك بطرس نحو الباب خارجًا وخلفه الجموع وهم يرددون عبارته الجديدة: «بعون السماء سوف نطهر أرض الرب!».

كانت شمس الظهيرة في أشدها حين تحركت الجموع خلف بطرس في شوارع الإسكندرية فضاقت الشوارع من الحشود؛ وارتجت البيوت من الهتاف، وبعد أن أظهر المسيحيون قوتهم بالمدينة، صاح أحد الأتباع في بطرس قائلًا: «الكافرة ركبت عربتها، ولا حراس معها».

فانطلق بطرس ببدنه الضخم نحو العربة وخلفه الجموع، وأعطاه أحد الأتباع سكينًا صدئًا، فلوح بها للحصانين فوقفا، فنظرت هيباتيا برأسها الملكي من شباك العربة وهي فزعة؛ فصاح فيها بطرس قائلًا: «جئناك يا عاهرة، يا عدوة الرب».

فامتدت إليها يده الغاصبة وأيادٍ أخرى أثيمة، فجذبوها نحو الأرض جذبًا، فانفلت شعرها الطويل الملفوف، وسحبها بطرس من شعرها فصرخت، حاولت أن تقوم؛ فرفسها أحدهم بقدمه في جنبها فتكومت؛ دس بطرس السكين في خصرها فتأوهت، وأزال عنها ثوبها فتعرت، ثم تجمعوا حولها كتجمع الذئاب حول غزال رضيع؛ فجروها نحو البحر جرًا؛ وسحلوها على شوارع الإسكندرية المرصوفة بالأحجار الخشنة سحلًا، فتمزق جسدها، وتناثر لحمها، ولحظتها كانت تصرخ وتقول: «يا أهل الإسكندرية، يا أهل الإسكندرية»؛ ولكن، لا مجيب!

وهناك بجانب الميناء الشرقي؛ مسك الجموع أصداف البحر المكومة فأزالوا بها ما تبقى من جلدها عن لحمها، وعند بوابة المعبد المهجور بالحي الملكي ألقوها فوق كومة من الخشب، ثم أشعلوا النار في ما تبقى من جسدها، فعلا اللهب، وتطاير الشرر، وسكتت صرخات هيباتيا إلى الأبد!

المراجع:

1- داود روفائيل خشبة، هيباتيا، والحب الذي كان، ترجمة سحر توفيق، ط1، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010.

2 – يوسف زيدان، عزازيل، ط 1، دار الشروق، القاهرة، 2008.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد