حظي مقتل الملك فيصل بن عبد العزيز باهتمام واسع عربيا وعالميا، واُطلقت التحليلات والفرضيات بغرض فك اللغز حول الدوافع وراء الاغتيال، ذلك اللغز الذي كان وما زال محل جدل حتى الآن، ومن ذلك ما جاء كرد فعل على المقال بعنوان «الملك فيصل وأكذوبة حظر النفط»، والفرضية التي طرحها البعض باتهام الولايات المتحدة بالوقوف وراء الحادث للانتقام من الملك فيصل بعد قيامه بقطع النفط عنها أثناء حرب أكتوبر، ذلك الاتهام الذي جاء اتساقا مع الصورة الذهنية التي رسمها الإعلام العربي للملك المُغتال كقائد لمعركة البترول، وزعيما عربيا مهموما بقضايا أمته، وبالقلب منها القضية الفلسطينية.

ومن هذه الفرضية التي ثبت ضعف أسانيدها وبطلان حججها انطلق البحث حول اغتيال الملك فيصل، لتظهر فرضيات منطقية، كشفت عورات كثيرة سعى البعض لإخفائها.

وقائع الاغتيال

في صباح يوم الثلاثاء 25 مارس عام 1975، كان الملك فيصل يستقبل الزوار كالمعتاد بمقر رئاسة الوزراء بالرياض، وكان وزير البترول الكويتي عبد المطلب الكاظمي بالانتظار للدخول إلى الملك حسب موعد مسبق، ليصبح الكاظمي الشاهد على واقعة الاغتيال والقادر على وصفها بدقة فقال: إن الأمير فيصل بن مساعد دخل عليه حجرة الانتظار، وأنه لم يعرفه في البداية لتغير في مظهره، حتى ذكره بنفسه وأنهما كانا زميلين في الدراسة بالولايات المتحدة الأمريكية، مشيرًا إلى أن وزير البترول السعودي حينها أحمد زكي يماني حضر أثناء حديثه مع فيصل بن مساعد ولاحظ أنه لم يكن يعرفه، ثم سلم عليه وانصرف حينما سمع جلبة الحرس التي رافقت دخول الملك، وأشار الكاظمي إلى أن الأمير فيصل انتهز فرصة دخوله مع يماني لمقابلة الملك، فتبعه دون أن يشعر، وعندما وصل الكاظمي للملك وبعد مصافحته وانحنائه لتقبيله فوجئ بإطلاق الأمير النار من خلفه على الملك ليسقط في الحال، ثم سمع صيحة (امسكوه)، ورأى فيصل بن مساعد مقبوضا عليه، ونوه الكاظمي بأنه تم احتجازه في غرفة منفردة حتى وصل الأمير نايف الذي استجوبه بالسؤال عن الجاني وماذا يعرف عنه، ثم سمح له بالانصراف، وتضمنت شهادة الكاظمي وصف حال الأمير فيصل بن مساعد بأنه كان ثابتا لا يبدو عليه أي اضطراب!

فمن هو الأمير فيصل بن مساعد؟

ولد الأمير فيصل بن مساعد عام 1950، وهو حفيد الملك عبد العزيز، ومن ناحية الأم هو حفيد الأمير محمد بن طلال آخر أمراء آل رشيد الذي أسره عبد العزيز حينما استولى على مدينة حائل عاصمة إمارة جبل شمر، ثم تزوج عبد العزيز من ابنته جواهر، في حين زوّج شقيقتها الصغرى وطفاء لابنه مساعد عام 1944.

سافر فيصل بن مساعد إلى الولايات المتحدة لدراسة العلوم السياسية فالتحق بجامعة كولورادو ليحصل منها على شهادة الليسانس في العلوم السياسية عام 1971 [1]، ثم التحق في العام نفسه بقسم الدراسات العليا في العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا ومنها حصل على شهادته عام 1973، ثم عاد للسعودية عام 1974، وعُين أستاذا في جامعة الرياض، إلا أنه فُصل من التدريس بالجامعة بسبب آرائه السياسية التي وصفت بالراديكالية، وفيما بعد طُعن بشهاداته العلمية ]  [2إلا أن وكالة الأسوشياتد بريس الأمريكية للأنباء أصدرت تقريرا يؤكد أن فيصل قد تخرَّج في ثلاث جامعات أمريكية، وعن الخلفية السياسية للأمير نشرت كذلك صحيفة السياسة الكويتية أن التقارير التي جمعتها من الأوساط المطلعة عن كثب على حياة الأمير فيصل بن مساعد، تفيد أنه بينما أمضى فترة صباه في الولايات المتحدة فقد أقام علاقات مع المنظمات السياسية الراديكالية هناك3] [.

وعن قناعاته الفكرية تجاه الحكم في السعودية ذكرت جريدة السفير[4] في تقرير لها نقلا عن صحيفة التايمز اللندنية أن الأمير فيصل كثيرا ما كان يبدو قلقا لانتمائه إلى الأسرة الحاكمة في السعودية، وتضيف الصحيفة البيروتية نقلا عن النيويورك بوست: «إنه دأب على انتقاد سياسات الأسرة المالكة السعودية».

أما بالنسبة لسلوكه الشخصي فقد نقلت مجلة روز اليوسف [5] عن لسان أحد أساتذته في جامعة بيركلي وصفه للأمير فيصل أنه: كان يتسم بالأدب الجم، وكان ودودا وذكيا، كما نقلت صحيفة السفير اللبنانية [6]  عن أليس بنز مديرة الكلية التي درس فيها اللغة الإنجليزية قولها: أنه كان حسن المظهر ودودا جدا ومهذبا وذا تربية حسنة، أما صحيفة اللواء اللبنانية [7] فقد نقلت عن مالك المنزل الذي كان يسكنه الأمير فيصل في بركلي أيضا أنه: كان أهدأ وألطف شخص أقام عندي، وأن أغرب ما فيه أنه كان يدفع في أغلب الأحيان فواتير ندمائه وكان ذلك شيئا طيبا لأن ندماءه كانوا من الفقراء، ولم يكن الأمير يهتم كثيرا بالمال، بينما نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية [8] تقريرا تقول فيه: إن البروفيسور إدوار رزق الذي درّس الأمير الشاب العلوم السياسية في جامعة كولورادو الأمريكية وصفه بأنه: شاب لطيف ومحتشم للغاية وغير دعي (متواضع)، ولم يتصرف أبدا ككونه من الأسرة الملكية.

وعن تعاملاته مع العائلة الملكية، قيل إن الأمير فيصل رفض قبول العلاوة السنوية التي تدفع لأمراء العائلة المالكة، والتي كانت تبلغ حوالي 15 ألف دولار في السنة، كما قيل إنه لا يحب مصاحبة أفراد الأسرة الملكية [9]، وقيل على سبيل التوكيد إنه طلب إبدال جواز سفره السياسي بجواز سفر عادي [10].

وذكرت جريدة التايمز اللندنية [11] قول أحد أصدقاء الأمير فيصل: إنه غالبا ما كان يردد أن أسرته هي أكبر عقبة في وجه التقدم في العالم العربي، وإن همّ الأسرة الحاكمة في السعودية الوحيد هو التعاون مع شركات البترول الأمريكية وإبقاء الشعب متخلفا، ما جعله على خلاف دائم مع سائر أفراد العائلة المالكة بسبب سلوكه واتجاهاته السياسية، ما دفع أحد الأمراء النافذين لنصحه بتغيير سلوكه.

ونتيجةً لمواقفه تلك تم التضييق عليه ومنعه من السفر، ونوهت عن ذلك صحيفة السياسة الكويتية قائلة: إن الأمير كان ممنوعا في الفترة الأخيرة من السفر إلى الخارج [12] ، وهو ما أكّدته صحيفة بيروت عن محاولات بذلها الأمير فيصل لتجديد جواز سفره ليتمكن من السفر للخارج، ولكنه فشل في الحصول على موافقة ملكية[13].

اغتيال الملك فيصل بين التآمر والثأر؟

ربما تكون معرفتنا للاتهامات التي كيلت للأمير فيصل بن مساعد والتي شاعت إعلاميا بشكل موجه، عاملا مساعدا في معرفة من قتل الملك فيصل، ولماذا قُتل؟

فقد كانت الاتهامات الرسمية تشير بداية ومن أول لحظة إلى أن الأمير الجاني «مختل الشعور»، مع التأكيد على أنه قام بالجريمة منفردا، كما جاء عبر بيان صادر عن الديوان الملكي بثته إذاعة الرياض في تمام الثانية عشرة من ظهر الخامس والعشرين من مارس وفيه: «ومما تجدر الإشارة إليه أن المذكور مختل الشعور، وقام بما قام به منفردا، وليس لأحد علاقة بما أقدم عليه».

وتم التأكيد على أن الأمير فيصل مختل عقليا في البيان الثاني الصادر عن الديوان الملكي عبر إذاعة الرياض في تمام الواحدة وعشر دقائق بعد الظهر والذي جاء فيه: «حيث وافاه الأجل المحتوم متأثرا بجراحه، إثر الاعتداء الأثيم الذي قام به الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز المعروف باختلاله العقلي».

كانت بيانات الديوان الملكي حول الأمير الجاني تخدم الصورة الذهنية عن الملك العادل والزعيم الأسطورة الذي لا يمكن أن يقبل على قتله إلا من كان مختلا عقليا، خاصة والجاني أمير من العائلة المالكة بل هو ابن أخي الملك القتيل، وربما جاء البيان بهذا الاتهام للأمير فيصل بن مساعد كدفاع مسبق عن ما يمكن أن يصدر عنه في التحقيقات قد يدين أفرادا أو جهات بتهمة الاشتراك معه في الجريمة أو التحريض عليها، لذا حرص البيان الصادر عقب الاغتيال مباشرة -وقبل بدء التحقيقات- التأكيد على أن الأمير فيصل بن مساعد: «قام بما قام به منفردا وليس لأحد علاقة بما أقدم عليه».

لكن اتهام الأمير فيصل بأنه مختل عقليا اصطدمت بإشكالية فقهية شرعية وقانونية كادت أن تحجب تطبيق القصاص الشرعي عليه، حيث لا يجوز معاقبته على جريمة ارتكبها وهو على تلك الحالة من الاختلال العقلي، وقد تم تدارك الإشكالية حين خرج الأمير نايف بن عبد العزيز بمؤتمر صحفي قال فيه: «إن الأمير فيصل بن مساعد كان يتمتع بقواه العقلية خلال ارتكابه الجريمة ولا يزال كذلك».

ثم انتشرت روايات عن إدمان الأمير فيصل للمخدرات، تم الرد عليها عن طريق الصحف العالمية والعربية التي كانت قد نشطت في التحري والنشر، فكتبت صحيفة روز اليوسف [14] تقول: وسبق اتهامه بتعاطي عقار الهلوسة LSD ثم ثبتت براءته.

وأضافت نيوزويك الأمريكية [15] عن لسان صديقه سام زاخم اللبناني الذي كان ممثلا رسميا لجامعة كولورادو: إنه يعتقد أن الأمير فيصل لم يكن يستعمل المخدرات، ووصفه بأنه مسلم تقي وسياسي معتدل محب للحياة الأمريكية، وأضاف: إنني أعرّفه بأنه ليس مصاب بعقله.

وهكذا تم تفنيد اتهام الأمير فيصل بالجنون بعد تراجع الجهات الرسمية بما يفيد تمتع المتهم بكامل قواه العقلية أثناء ارتكاب الجريمة، كما تم نفي التهمة بتعاطي الأمير المخدرات وحبوب الهلوسة، ليبقى السؤال مطروحا حول الدوافع الحقيقية لاغتيال الملك فيصل ومن وراء تلك الجريمة.

فرضية التآمر الخارجي

لخدمة الفكرة حول الزعامة المغتالة وللاستفادة من الحدث، وبدعم إعلامي واسع تبنى الكثيرون من جهات غير رسمية الترويج إلى أن الملك قد قُتل بمؤامرة خارجية قام عليها الأمريكان للانتقام منه بسبب حظره البترول عن الولايات المتحدة، حتى إن الأمير خالد الفيصل لمح إلى دور أمريكي في اغتيال والده في إحدى قصائده النبطية، وتم تعزيز الاتهام عبر القول أن الأمير الجاني جندته المخابرات الأمريكية أثناء فترة إقامته بأمريكا التي امتدت لثمان سنوات.

ولتفنيد هذا الزعم نعود بالقارئ إلى ما سبق نشره بمقال «الملك فيصل وأكذوبة حظر النفط» [16]، فقد قام فيصل باتخاذ القرارات ضمن حدودها الدنيا بهدف إرضاء المواطن السعودي والعربي، وبما لا يؤثر على المصالح الحيوية الأمريكية، أما عن الحصاد الأمريكي فشواهده ونتائجه تنبئ بأن الحظر كان مدفوعًا بالتحريض الأمريكي على رفع الأسعار لتحقيق المصالح الأمريكية، ومنها كما سبق وتبين حل مشكلات السعر المحلي للبترول الأمريكي، وخلق الحالة التي تسمح بإبطال قوانين البيئة المعوقة لإنتاج الطاقة ولضرب الاقتصاديات الأوروبية واليابانية لصالح إنعاش الاقتصاد الأمريكي، حيث كان الحظر بمثابة إنقاذ لاقتصادها، عبر معالجة الخلل في ميزان مدفوعاتها الذي كان يواجه عجزًا قبل حرب أكتوبر عام 1973، وتحسن موقف الدولار مقابل تراجع عملات أوروبا واليابان، ومن ضمن الحصاد الأمريكي من فوائد الحظر ما قالته صحيفة نيوزويك [17]: أن السعودية تقوم بتكديس فوائض عائداتها بمعدل 20 مليار دولار سنويا في بنوك نيويورك ولندن، ويقدر ما أودع في الولايات المتحدة وحدها بهدف الاستثمار عام 1974 بما يقارب 15 مليار دولار.

وفى سياق النفي لأى دور أمريكي في اغتيال الملك فيصل قال الأمير طلال بن عبد العزيز ببرنامج »شاهد على العصر« [18]: »فقالوا قتلوا الملك فيصل لأنه قطع النفط عن الغرب لا أبدا لقد شكلت لجان، وبحثت الأمر وبأمر من الملك خالد وتأييد من الأمير فهد وإخوانه وأثبتت أن عملية قتل الملك كانت عملية شخصية».

وفى الإطار ذاته تم اتهام الأمير فيصل أنه قام باغتيال الملك لحساب الموساد الإسرائيلي انتقاما منه بسبب دوره (البطولي) في معركة السادس من أكتوبر، ومواقفه إزاء القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية، وأن التجنيد للأمير تم من خلال صديقته الأمريكية في جامعة كولورادو (كريستين سورما) التي زاملته على مدار السنوات الخمس للدراسة هناك، والتي أشاعوا أنها يهودية الأصل، ليتضح أن كرستين سورما ليست يهودية بل تنتمي إلى الكنيسة المسيحية اللوثرية، وأن والديها من اللوثريين المتعصبين [19]، والمعروف عن هذه الكنيسة مواقفها الناقدة لإسرائيل واستنكارها معاملتها للفلسطينيين واضطهادها لهم، أما عن الأمير نفسه وموقفه من إسرائيل فقد كتبت صحيفة التايمز اللندنية ونقلت عنها مجلة السفير اللبنانية [20] القول أنه: «لوحظ ميل الأمير فيصل نحو اليسار سيما في العام الأخير له في جامعة بيركلي، وأنه راح يقضي في ذلك العام وقتا أطول مع الماركسيين العرب، ومؤيدي منظمة التحرير الفلسطينية، وقد كان متطرفا صلبا بالنسبة للقضية الفلسطينية، وكان معاديا للصهيونية، ويعتقد أن موقف أسرته ضعيف بالنسبة لهذه المسألة».

وبعد نسف ادعاءات التآمر الخارجي، لا يتبقى من الاتهامات إلا ما كان منصبا على الدوافع الذاتية لدى الأمير فيصل بن مساعد، وهو ما سنقوم باستعراضه بفرضياته في الجزء الثاني من المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1 جريدة المحرر اللبنانية في 29-3-1975.
2 صحيفة الفجر القطرية في 5-4-75.
3 مكتب الوكالة في بيروت يوم 19-6-1975.
4 صحيفة السياسة الكويتية في عدد 29-3-1975.
5 جريدة السفير اللبنانية – العدد الصادر في في 29-3-1975.
6 العدد الصادر في 31-3-75.
7 العدد الصادر في 27-3-75.
8 العدد الصادر في 28 -3– 1975.
9 العدد الصادر في 7-4-1975.
10 عن صحيفة بيروت الصادرة في 2-4-75.
11 جريدة النهار اللبنانية الصادرة في 29-3- 75.
12 نقلته جريدة السفير في عددها الصادر في 29-3-75.
13 صحيفة السياسة الكويتية في عددها الصادر في 29-3-1975.
14 صحيفة بيروت عددها الصادر في 2-4-1975.
15 مجلة روز اليوسف - العدد الصادر في في 31-3-75.
17 العدد الصادر في 7-4-1975.
16 المقال المنشور للكاتب على ساسة بوست بتاريخ 24-5-2016.
17 العدد الصادر في 7-4- 1975.
18 شاهد على عصر الملك عبد العزيز وأبنائه – طلال بن عبد العزيز - م س، ص 260.
19 نشرته صحيفة السياسة الكويتية في عددها الصادر في 10-4-75.
20 جريدة السفير اللبنانية – العدد الصادر في في 29-3-1975.
عرض التعليقات