بعد منتصف الليل، اهتزت المستشفى بصوت عربة الإسعاف، حاملةً معها شابين، إحداهما لم يُكتب له النجاة، والآخر مازال يصارع الحياة، ومن خلفها عشرات المهرولين ما بين أقارب وأصدقاء، قبل هذا الحدث بدقائق كان الشابان مع الأصدقاء في سباق، بدأ من أول الليل وانتهي داخل غرفة لا تكاد تتسع لربع العدد الموجود.

الكل يبكي ويصمت، الكل يسُب ويلوم، الكل يهاجم ويتساءل، أين الطبيب؟ وفي آخر الجمع يقف الكادر الطبي، لا يكاد يجد الطريق يمر من خلاله، الهواء اختنق فغادر المكان، وما إن أخبر أحدهم بوفاة الشاب الأول والذي لم يُكتب له النجاة من مكانه؛ حتي بدأ العراك، الرذاذ خرج مع كل سُباب، وبدأ تكسير المعدات والأجهزة دون النظر لقيمتها المادية والعلاجية وكأنها هي القابض لروحه، أيادٍ تتعدي على الكادر الطبي دون العبء بمن تطوله أياديهم كان طبيبًا أو حتي ممرضة، فالكل تحت الأقدام، وما بين كل هذا الشاب الآخر خسر معركته مع الحياة، فلا منقذ للمنقذين له، وبدأ من جديد الخلاف.

وبقي السؤال! إن كان الشاب الأول قتلته الحادثة، من قتل الشاب الثاني؟ المرافق أم الطبيب!

في صباح اليوم الثاني، كانت صرخات الشابة والتي تنتظر مولودها الأول بعد تعب السنين، الأم تبكي تحت قدم ابنتها، الزوج في الأعلى والأخت في الأسفل، الأصدقاء في كل مكان، الجميع في دائرة البحث عن طبيب، توسلات هنا وهناك ولا مُجيب، هذا الطبيب في عيادته أبلغهم بعدم الاتصال إلا إذا كان هناك تفتيش، والآخر غلبه النوم فبالأمس القريب سهر في عيادته، ولن يفيق إلا على موعدها، والممرضة منشغلة بسرد القصص لصديقاتها، والهاتف أغلي من حياتهم، لا تقترب؛ تنل ما يكفيك من ألسنتهم.

إما أن تلحق بالطبيب في عيادته؛ تدفع نصف ما معك، والنصف الآخر توزعه ما بين صيدلاني يبيع لك أدوية قد لا تحتاجها لكنها قد تنفعك تملأ بها ثلاجتك الفارغة من طعام أسرتك، وما بين مراكز أشعة وتحاليل والتي لا نأخذ منها سوي أرقام تزيد من نسب الطبيب! لأن رفاهية الطبيب وسيارته قد تكون الاهم.

تود أن تعترض والسبب أنك لا تملك، إذاٌ انتظر في المستشفى وانتظر الطبيب حتي يأتيها لتفتيش  ويعود، أو قد تأتيك ملاك الرحمة حين ينام الشيطان، وماتت الفتاة بحُلمها أن تصبح أم، واستيقظ الأب المنتظر بالمنزل على كابوس أن يصبح له حفيد.

وبقي السؤال! من قتل الفتاة؟ المرافق أم الطبيب؟

مشهدان ومشاهد أخرى كثيرة نعيشها كل يوم وإن اختلفت في التفاصيل، لكنها تبقي بنتيجة واحدة؛ ضحية جديدة تُضاف.

لا شك أن مهنة الطب بكافة أشكالها هي مهنة إنسانية بالمقام الأول، ثم يأتي بعد ذلك كونها عمل مهني لاستمرارية الحياة، كلنا حتي الأطباء في أشد الحاجة لهذه المهنة، فهي الوسيلة لتخفيف آلامنا وفقدان أرواحنا، أو حتي أرواح عزيزة علينا، نعم هي مهنة تتعرض للكثير من الضغوط، ولا تكاد تخلو من الأزمات والمشاكل داخلية أو خارجية، لكنها في الأخير اختيارك تُؤجر عليه من مالنا، ويكافؤك ربك علي إخلاصك، وتنل من المجتمع مكانتك، متي حرصت أن تكون إنسانًا قبل أن تكون طبيبًا، ملاك رحمة قبل وظيفتك ممرضة.

في المشهدين السابقين كانت العلاقة ثلاثية، ما بين مريض ومرافق وطبيب، ليست المشكلة عند المريض لأنه كان الضحية في كل حالة، قد يكون وجد استغاثته عند الطبيب وحجم الألم وتمسكه المشروع بالحياة قد لا يسمح له دائما أن يكون خصمًا مع أحد.

أما المرافق، هو الجاني في بعض الحالات، لكن ماذا لو استبعدناه نهائيًّا من المعادلة، فلا المريض بحاجة إليه بقدر حاجته للطبيب، ولا هو يتألم ويحتاج للطبيب، ماذا لو منعناه من الدخول إلا في أضيق الحدود ولا نعرضه في مواجهة الطبيب، فما إن يحدث القدر، لا نجد خصمي بعضهما في مواجهة بعض وتشتعل فوهة النيران، وإن كان تحقيق هذا يتطلب أمرين:

أولًا: أن يطمئن المرافق أن حالته في أمان، ليس أمان البقاء علي قيد الحياة فهذا شيء لا يضمنه أحد، بل يكفي ثقته في المكان وثقته في كل شخص داخل المنظومة.

ثانيًا: ليست طباع البشر واحدة، لذا لابد من ضامن حقيقي له القوة في المنع، ليست بالعنف والإهمال والمجاملة، فلا يجب أن أكون مضطرًّا لحمل علبة سجائر وتوزيعها على كل باب لضمان الوصول وإلا القانون لا يسمح.

أما الطبيب، اتفقنا أن المهنة شاقة واتفقنا أنك مأجور عليها، قد تكون في سجلاتك حالة وسقطت، لكن اعلم أنها لصاحبها ليست مجرد حالة، بل هي كل شيء، نعم كلنا نخطئ وقد لا نُعاقِب عليه لكن الإهمال يستحق العقاب، نعم أنت قد تكون نابغة بمجالك لكن مريضك قد يحمل الجهل وقد يحتاج للتكرار فليس بالضرورة أن نحمل كلنا العقل نفسه فتعامل معنا بما نحن فيه وليس العكس.

عزيزي الطبيب، أن لست مجبور علي هذه المهنة، وإن كنت كذلك؛ اتركها الآن، دعك والسياسة، ولا تلتفت لخصومتك بأحد فأنت فقط طبيب تتعامل مع مريض، لا تشغل بالك بأي دينٍ هو، أما إذا أردت تقسيم المرضي حسب ميولهم الدينية أو السياسية أو غيرها؛ اترك المجال فهو ليس بحاجةٍ إليك.

تذكر دائما «إن المستشار مؤتمن»، فكل ما استقطعته من الصيدلة أو المعمل أو تحصلت عليه من شركات الأدوية مهما تعددت أشكاله مادية أو عينية أو حتي ترفيهية، هو مردود عليك حسب ما أشارت إليه دار الإفتاء.

ليس ذنب علي المريض أن ذهب لطبيب واثنين قبل أن يتشرف بزيارتك، ونجد منك التقليل من شأن زميلك وقد يصل لرفض المريض؛ من شأن هذا فقدان الثقة في مجالكم، لم أخطئ إن اشتريت الدواء من هنا أو كنت في المعمل هذا؛ وترفض كل هذا وتطلبها من جديد، طالما كانت المهنية واحدة، وكثيرة الحالات التي نسمعها ونعيشها كل يوم والتي نتمنى لو انتهت.

علاقة الطبيب بالمريض ليست تجارية بحتة، فهي علاقة احترام وطمأنينة، علاقة فيها الكثير من الخصوصية، علاقة تعتمد علي الأخلاقيات الطبية، علاقة وجب فيها إعلاء كرامة المرضي واحترام خصوصيتهم، علاقة تعتمد على مدي ثقة المريض في طبيبه.

الكادر الطبي ليس طبيبًا فقط، بل هو ممرضة وصيدلي وفني حتي العامل وفرد الأمن، الجميع في المنظومة يعمل من أجل راحة المريض.

تحدثنا عن الأطراف الثلاثة، وتناسينا الطرف الرابع وهي الحكومة، متمثلة في الوزارة المسئولة، والمتهم الأول في نقص المستلزمات الطبية والوقائية، والمتسبب في ضعف الإمكانيات البشرية، والمتسبب في البيروقراطية والروتين الذي قد ينهي حياة الكثيرين، والمسئول الأول عند الأطباء في ضعف رواتبهم وإن كان هذا ليس مبررًا للإهمال، كل هذا وأكثر تتسبب فيه الحكومات، وحديثنا هنا نكتفي بعلاقة الإنسانية بين المريض وطبيبه.

ويبقي السؤال، من قتل المريض؟ في المشهد الأول قتله المرافق، وفي المشهد الثاني قتله الطبيب، وفي أغلب المشاهد قتلته الحكومات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

طبيب
عرض التعليقات
تحميل المزيد